الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة حقوق العراق السياسية والانسانية ملــفــات خاصــــة قضايا منوّعة الاخبــــــار
   برلمان العراق يصادق على قرار معاملة الأميركيين بالمثل ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: العراق يطرح سندات بمليار دولار، والضمان أميركي ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: احتياطي العراق الأجنبي يفقد 21 مليار دولار في ثلاث سنوات ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيف تم قتل 1000 جندي امريكي في السجون الكورية بدون اطلاق رصاصة واحدة ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: كيسنجر وشبح الفوضى في الشرق الأوسط ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: موسكو: “داعش” يصنِّع أسلحة كيميائية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: إنها أكبر... إنها أخطر ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: روسيا توسع قاعدة المشاركة لتخفيف العبء على السعودية ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: «الناتو»: الساحل السوري ثالث قبّة محصّنة لروسيا في العالم! ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: الاعتقال العشوائي في العراق: أرقام مرعبة :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
ثقافة وفنون  

خزعل مهدي البغدادي الأخير الذي دخل جنة الفن خلسة



لم يكن مشهده وهو يغني في أفلام منتصف القرن الماضي يوحي بموهبة لافتة سيزدحم من أجلها الجمهور على شبابيك التذاكر، لا في الغناء ولا في التمثيل. صوت عادي، لا صفة أو لمسة استثنائية فيه وممثل ثانوي يمكن تفادي ظهوره أو الاستغناء عنه بتعديل بسيط في السيناريو.

الرجل الذي حُرم من دراسة الفن وهو شغف حياته بسبب موقف عائلته الغاضب، كيف تأتى له في ما بعد ظهوره الفاشل والهلامي في السينما أن يكون مكتشف نجوم، مطربين وملحنين كبار، قدّر ليده السحرية أن تضعهم على سلم النجاح؟
كدح يومي خفي جعل منه عازفا ملهما لآلة التشلو التي لم يعرفها من العراقيين إلا حسين قدوري، ومنها قفز بخفة ومرح لا يخفي حزنه إلى الأغنية البغدادية التي احتل فيها مساحة، صارت بمثابة مساحته الشخصية التي تشير إليه ملحنا وشاعر أغنية في الوقت نفسه.
سيرة خزعل مهدي هي حكاية فنان عامي أخلص لموهبته الفطرية فصقلها بنفسه مستعينا بإرادة ذاتية ساعدته على أن يتخطى قدره الاجتماعي والثقافي الذي كان فقير الخيال ليكون الشخص الذي كان يحلم في أن يكونه، ماكنة إنتاج مبدعة.
فالأغنيات التي كتب كلماتها ولحنها وغناها كبار مطربي العراق ومطرباته كانت شاهدا على خيال نضر امتزج بتمكن متقن من الحرفة التقنية. وإذا ما كان مهدي قد كف عن الغناء بعد أن تحول إلى التلحين فإن تلك الخطوة التي اتخذها مبكرا إنما تدل على نضج موقفه الجمالي النقدي. فمن خلال ذلك الموقف أحيا عبقريته في التلحين وأمات مطربا كاد يضمه إلى جوقة المطربين الفاشلين.
مكتشف النجوم يلاحق حدسه
كان خزعل مهدي (1928- 2012) مخرجا تلفزيونيا وممثلا سينمائيا ومسرحيا وصانع أفلام تسجيلية ومغنيا وملحنا وشاعر أغنية، غير أنه فوق كل ذلك كان صاحب فضل على الأغنية العراقية حين اكتشف وهو في قمة إلهامه عددا من المواهب التي سيكون لها دور موسيقي وغنائي لافت في المستقبل. أذكر هنا على سبيل المثال: كوكب حمزة، محسن فرحان، سيتا هاكوبيان، حسين نعمة، حسن الشكرجي، قصي البصري، كاظم فندي.
ما الذي لم يفعله إذن؟ كان صاحب حدس رفيع من نوعه، وهو ما تؤكده سلسلة الفنانين الموهوبين الذين انتقلوا من الظل إلى الضوء بناء على خبرته التي لا تخطئ الطريق إلى هدفها. هل الموهبة الفطرية وحدها تكفي لكي يكون المرء ملمّا وعارفا بكل هذه الخبرات الفنية؟ إنها الصنائع السبع التي أشار إليها المثل الشعبي، ولكن بخت (حظ) خزعل مهدي لم يكن ضائعا، إلا إذا نظرنا إلى ما أحيط به من إهمال في شيخوخته، وهو أمر صار طبيعيا في ثقافتنا للأسف. فلأنها ثقافة لا تعنى بالتراكم، فقد صار طبيعيا أن تطوى صحفها بمن عليها في كل مرحلة جديدة، ليكون النسيان سيد المعرفة. وهو ما كان مهدي ضحيته.
الداخل إلى الجنة خلسة
كان مهدي قد لقب بقديس الإذاعة والتلفزيون الحارس من قبل مَن كان نفسه سببا في دخولهم إلى عالم الفن وهو الذي دخل عام 1948 خلسة وبالصدفة إلى مبنى الإذاعة.
في ذلك العام وقعت حرب فلسطين فكانت الحاجة إلى برنامج إذاعي موجه إلى القوات المسلحة العراقية المشاركة في تلك الحرب، فكان أن وقع الاختيار على مهدي وكان جنديا مكلفا ليكون ضمن المجموعة التي تعد وتقدم ذلك البرنامج التعبوي.
يومها دخل الشاب الحالم بالفن إلى جنته المتخيلة التي لن يغادرها إلا وهو على أعتاب شيخوخته. لقد حقق في البدء حلمه في أن يكون ممثلا، حيث تم اختياره في تمثيل أدوار ثانوية في أفلام الخمسينات والستينات “فتنة وحسن” و“عروس الفرات” و“تسواهن” و“نعيمة” و“عفرة وبدر” و“البصرة ساعة 11” و“الجابي”.
غنى ومثّل غير أنه كان شبيها بعشرات الشباب الرومانسيين الذين حفلت بهم تلك الحقبة التي كانت بالرغم من عدم استقرارها السياسي حاضنة لتقاليد وقيم ثقافية راسخة.
فكان مهدي يقف على الهامش من حقائق المشهد الفني الكبرى بسبب موهبته المتواضعة في الغناء والتمثيل. الأمر الذي شكل صدمة له ودفعه إلى أن يستغيث بمواهبه الأخرى بعيدا عن التمثيل والغناء وكانت بئر خياله غنية بالمياه الحالمة. فظهر العازف والشاعر والملحن في شخصية واحدة، سيكون من شأن ظهورها أن يضفي على عالم الغناء البغدادي طابعا خاصا، هو ذلك الطابع الخفيف الذي يستمد تأثيره من قوة الألم الدفين. لقد ولد يومها الفنان الذي خبأته الأيام في صندوقها مثل وديعة صامتة.
الملحن والشاعر معا
قال بلسان عفيفة اسكندر وهي سيدة الغناء في زمانها “جوز منهم (أتركهم) لا تعاتبهم بعد جوز”. وأوحى لأخته العمياء هناء وهي صاحبة صوت نادر في رقته وعذوبته وأخويته أغان عديدة منها أغنيتها “صباح الخير” وهي أغنية حب تشبه الصباح البغدادي تماما.
في “يا حلو يا صغير يا مدلل” انحرف بصوت مائدة نزهت القوي والصارم وهي التي اعتادت أن تؤدي الحان زوجها وديع خنده التي لم تكن ترهق صوتها فكانت تلك الأغنية تمهيدا للانتقالة الكبيرة التي مثلتها أغنية “حمد يا حمود” الذي لم يتوقع أحد أن تؤديها مغنية من نوع نزهت الطاعنة في بغداديتها. أما “اترك هوى الحلوين” فقد كانت علامة مميزة في مسيرة فؤاد سالم وكانت أغنية رومانسية لداود العاني هي “أحبه وأطيعه” قد مهدت لها. اللافت في الأمر أن خزعل مهدي كان هو نفسه الشاعر والملحن لكل الأغنيات التي قدمها إلى الآخرين. فهل كان يكتب بقوة اللحن أم أنه كان يلحن بتأثير الكلمات؟
بغدادي الأغنية الأخير
لم يكن خزعل مهدي بطبعه يميل إلى الشهرة والظهور. لذلك كان لقب “القديس” الأقرب إلى التعبير عن حيلته وهو يتوارى وراء عدسات التصوير في الأستوديو باعتباره مخرجا. كاتب أول أغنية رياضية في العراق كان ينظر إلى المشهد أمامه باعتباره ملعبا. عام 1966 كتب مهدي ولحن أغنية “العب يا حبيبي اتمرن” التي أدتها أخته هناء.
تلك الأغنية ببساطة كلماتها ولحنها الراقي لم تغادر موقعها في سباق الأغاني الرياضية. هي الأولى دائما وكان مهدي لا يرى في تفوقه إلا نوعا من الإخلاص لذاته التي فرضت عليه مبدأ العمل الذي عوضه عن خسارة فرصته في دراسة الفن. “لقد تعلمنا منه” يقولها لك غير مخرج وملحن ومغن وهم يشيدون بقدراته التي لا تكف عن ارتجال تجلياتها في مختلف الفنون الإبداعية. سيقال دائما إن الرجل دخل إلى الفن من خلال باب كانت مواربة.
ولكنه صنع أسطورة موسيقية كان مقدرا له أن يصنعها. فالرجل الذي لم يتعلم الموسيقى مدرسيا وقف إلى جانب حسين قدوري العالم بشؤون الموسيقى ليعزفا معا في ما ينتمي إلى “موسيقى الغرفة”. والموسيقي الذي تعلم أصول العزف ذاتيا صارت له القدرة من خلال كدحه اليومي أن يتنقل بين المقامات بحرية ليصوغ أجمل الألحان. كان خزعل مهدي هو البغدادي الأخير في تاريخ الأغنية العراقية.
لم يقبل بالاندماج في الأغنية الريفية التي بدأت غزوتها في سبعينات القرن الماضي إلا في حدود ضيقة.
كانت الأغنية التي أدتها مائدة نزهت نوعا من الترحيب البغدادي الحذر بالريف الذي سعى إلى تقديم نفسه بصيغة مهذبة من خلال ألحان محمد جواد أموري وطالب القره غولي وكوكب حمزة.
كانت هجمة ريفية لم يلتحق بها خزعل مهدي مفضلا أن يكون راهب الأغنية البغدادية.




فاروق يوسف


2015-01-22

القائمة الرئيسية
دراســـــات وبحــــــوث
الحوار الوطني العراقي
مــــقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنــون
البوم الموقـع
عروض كتـب
معطيات جغرافية
مــدن عـراقيـــــة
موجز تأريخ العراق
English articles
النفط العراقي
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©