الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة مختـــــارات ملــفــات خاصــــة قــضـــية الاســـــبوع الاخبــــــار
   تضارب في المعلومات حول مشروع «سور بغداد الأمني» ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: حتى في إعادة الإعمار.. يخفقون ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: وفد تجاري إسرائيلي برئاسة عوفر للاستثمار في كردستان العراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: أوديرنو: دخلنا العراق دون أن نفهمه وكنا سذجا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: باحث اميركي : واشنطن ستفرض حكومة تضمن تحكمها بالثروة النفطية للعراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: انتشار الفقر في العراق يهدد مستقبله ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: قصف صاروخي يستهدف السفارة الأميركية في بغداد ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: تعبئة قصوى واستنفار ... واستعداد لأسبوع «دموي» ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: صنـاعـــة «الأمـــن» و«خصخصة» الحرب على العراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: شبح الموت يخيم على بغداد مجدداً وسط اضطراب سياسي :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
ثقافة وفنون  

سماح إدريس: رئيس تحرير مجلة 'الآداب': 'طائفتي' اليسارية القومية قليلة في لبنان لكنها كثيرة في العالم العربي!



مثقف من طراز نادر ومختلف، عندما تراه وتقرأه تتخيل أنه خرج من عقل غرامشي عندما تحدث عن 'المثقف العضوي'، أو أنه التجسيد المحض لفكرة غرامشي عن مثقف يشتري المشاكل شراء، ويذهب إلى حتفه باسما وفق قول درويش.
إنه سماح ادريس رئيس تحرير مجلة الآداب العريقة، والمثقف المقاتل على أكثر من جبهة، بدءا من جبهات القتال الحقيقية (فلسطين ـ العراق ـ لبنان..) إلى جبهات القتال الفكرية.
صحيفة 'القدس العربي' حاورته حول المشاكل التي تحيط به، وحول المشاكل التي يذهب إليها طائعا، فكان هذا الحوار الذي تلمس فيه صدقا من النادر أن تراه في مثقفي هذه الأيام.

- رداً على قرار المحكمة في الدعوى التي رفعها عليك فخري كريم بسبب افتتاحية كتبتها في مجلة الآداب عام 2007، قررتَ الاستئناف. إلى أين تريد أن تصل؟

* أريد أن أصل إلى إمكانية تعديل قانون الموضوعات في لبنان. أعتقد أنّ الدعوى التي رُفعتْ ضدي هي فرصة لكي نحوّل 'قضية مجلة الآداب' إلى قضية تخصّ حرية التعبير في لبنان. هذا القانون لم يتغير منذ أعوام، وعلينا كمثقفين وأحرار أن نناضل ضده. المشكلة هي أن نحاول أن نوفّق بين أقصى مدى من الحرية وأقلّ مدى من الكوابح القانونية.

قانون المطبوعات لا يسمح بما يسمّى 'القدح والذمّ'. ولكنّ قضية النزاع مع فخري كريم لا علاقة لها بالقدح والذمّ، بل هي قضية سياسية وفكرية عامة تخصّ الفساد واليسار والموقف من الاحتلال. بل إنّ القدح والذمّ يتجسّدان في أن نترك للفساد أن ينتشر، وأن نترك لتبرير الاحتلال أن يستفحل!
- في حال بقاء الحكم على ما هو عليه، ماذا ستفعل؟ بعد الاستئناف تدفع الغرامة؟ أم تذهب إلى السجن؟

* لا.. سأدفع الغرامة. وسأعتبر أن هذه المعركة جزء من الكفاح العامّ الذي نخوضه على أكثر من جبهة. ليس عيباً على الإطلاق أن يُغرّم المرء، ولا أن يخسر دعوى قضائية وفقا لقانون سيئ! وفي كل الاحوال لا أعتقد أني خسرت، ولا أنّ ما كتبته كان خطأ، ولا أتراجع عما ذكرتُ في الافتتاحية قيد حرف.

الشيء الجميل الآن هو أنّ الحملة المتضامنة مع 'الآداب'، المكونة من شابّات وشبّان وجمعيات مهنية وثقافية، قررتْ أن تدفع الغرامة بنفسها في حال خسارتي للاستئناف. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان (في حدّ علمي) التي يقوم فيها أفراد بتكفل مصاريف قضية ثقافية يعتبرونها قضيتهم، ولذلك فهم يتشبثون بكل كلمة في هذه الافتتاحية ويعتبرون أنفسهم مسؤولين عنها وكأنهم هم من كتبوها.
- أشرت في حوارات متعددة إلى وجود خلل في بنية القضاء اللبناني. هل هذا الخلل قانوني بحت يسمح للمتربصين بالتسلل لمحاكمتكم، أم أن السبب يعود إلى مناخ عام يسمح بليّ النصوص القانونية لتتماشى مع رأي عام أصبح يسير إعلاميا وفضائيا لخدمة قضايا القبول بالاحتلال والتطبيع وغيرها؟

* أعتقد أنّ الأمور مترابطة. ولكنْ أعتقد أنّ القاضي في حد ذاته، وللأسف الشديد، لم يكن واعياً للدور الثقافي العام الذي يكتنف هذه القضية. فهذه القضية جزء من صراع فكريّ قديم يدور، في جزء منه، حول تمويل الثقافة العربية. وقبل عقود رُفعتْ ضد 'الآداب' دعوى بسبب اتهامها مجلة 'حوار' بأنها ممولة من وكالة الاستخبارات الأمريكية، عبر 'منظمة حرية الثقافة'، وربحنا، ربما لأنّ الجو العام ـ خلافاً لمناخ هذه الايام ـ كان يدين التمويل الأجنبي، وخاصة من دول الغرب الاستعماري. أما اليوم فيبدو أنّ مسألة التمويل الخارجي لم تعد بمثل تلك الأهمية: فلم تعد سبّة إنْ قبضتَ من الأمريكان أو الكونغرس أو من الاحتلال مباشرة، ولم يعد مهما إنْ سرقتَ أو اختلستَ أو كان 'مالُ ثقافتك' ناجماً عن تبييض أموال (جراء صفقات سلاح أو مخدّرات أو عمالة لأنظمة)... الجو إذن تغير. لكن أعتقد أن القضية في المقام الأول هي قضية قانون لبناني متخلف، وهي في المقام الثاني نوع من الاستغلال قام به فخري كريم (أو فخري وليّ أو فخري زنكنة) لثغراتٍ معيبةٍ في القانون اللبنانيّ من أجل أن ينقضّ على مجلتنا المستقلة الحرة. وقد اعتقد كريم أنّ 'الآداب' لا تملك من يدعمها لأنها مجلة يسارية قومية عربية، فـ 'استوطى حيطنا'. ولكنْ، إذا كان صحيحاً أنّ 'طائفتنا' قليلة العدد في لبنان، إلا أنها ليست كذلك حين تتكاتف عربياً وعالمياً، على ما تشهد على ذلك العرائضُ والتواقيعُ والبياناتُ والمقالاتُ المؤيّدة لـ 'الآداب' ضدّ دعوى كريم، وهو ما لم تشهده أية قضية ثقافية عربية منذ عقود ربما!

ثم إنّ السيد كريم لا يدري أنني 'أشتري' المشاكل شراءً، وأنني أريد أن أفتح ثغرة إضافية للمقاومة العراقية في وجه الاحتلال وعملائه ومبرريه، وأن أفتح ثغرة أمام تغيير القانون اللبناني العفن. ولذلك لا يضيرني في شيء أن أذهب إلى القضاء، بل أن أُسجن، إنْ كان هذا كله يفيد اليسار الحقيقي في معركته ضدّ اليسار المزيف، ويفيد القوميين الجدد في مواجهة أذيال الاحتلال
.
- أنت تصرّ على أنّ المعركة ليست شخصية بقدر ما هي معركة رأي عامّ، وهي كذلك فعلاً. ولكنْ هل ترى أنّ الرأي العام مازال، فعلاً، معنياً بقضايا كبرى؟ هناك من يرى أنه لم يعد هناك وجود لهذا الرأي الذي تم بيعه وخصخصته بالكامل لصالح مشاريع الاحتلال والتطبيع. فمن أين تستمدّ إيمانك بهذا الرأي العامّ المندفع باتجاه هيفاء وهبي ونانسي عجرم والقرضاوي وعمرو خالد؟

* سؤال ممتاز . دعني أحاول أن أجيب عنه بالقول إنني لا أحارب في أيّة معركة انطلاقاً من أيّ شعور بالأمل أو التفاؤل. أنا أُحارب حين أكون مؤمناً بعدالة القضية، بغضّ النظر إنْ كُنتُ سأصل إلى تحقيق هذه العدالة أو لا أصل. قد يكون هذا الأمر مثالياً، ولكنه هو الذي يدفعني إلى الاستمرار وإلى عدم الشعور بالإحباط . وفي مؤتمر دمشق الذي عُقد في نيسان من هذا العام بعنوان 'العروبة والمستقبل' سُئلتُ سؤالاً قريباً من السؤال الذي سألته، فأجبت: إذا كان غرامشي يقول 'تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة' (بمعنى أنّ ما يواجه التشاؤمَ العقلي هو تفاؤلُ الإرادة المكافحة)، فإنّ شعاري في الحياة وفي الثقافة هو 'تشاؤم العقل، عدالة القضية'. فمادامت القضية عادلة، فإنه لا يهمّني إنْ تخلّى العالم كلّه عنها.

لكن، بالعودة إلى الشق الاول من سؤالك، فقد اكتشفت أني لست وحدي في القضية المرفوعة ضدي. الآن عندنا آلاف المثقفين الذين وقّعوا عرائض تأييد لمجلتنا من مختلف أنحاء العالم. وأنا سعيد، بشكل خاص، بالأصوات الكرديّة، لأن فخري كريم وبطانته أرادوا أن يحولوا المسألة إلى صراع عربي ـ كردي. من الخطأ الكبير، كي لا أقول من العنصرية المضادة أو 'جلْد الذات'، أن نزعم عدمَ وجود رأي عام في الوطن العربي! في أيّ بلد في العالم هناك رأي عامّ؛ قد لا يمارَس علناً، أيْ في الأقنية العلنية المتاحة، ولكنه يأتي في حوارات المقاهي، في الأغاني، في النكات المتداولة ضدّ الأنظمة العربية وأزلامها وفسادها. وعلينا أن نقرّ بذلك، وإلاّ حكمنا على أنفسنا بأننا لا نفكّر. وهذا محض ازدراء ذاتيّ!
ـ لفت نظري أن الكثير من كتّاب دار الآداب لم يتضامنوا مع مجلة الآداب في محنتها؟ كيف تقرأ هذا الأمر؟

*هذا حقهم المشروع. من حق أيّ كان أن يقف معي أو لا يقف، وأنا لم أضغط على أيٍّ كان، بل لم أخض أيّ معركة، وكل العرائض التي وُقّعتْ لم أكن مسؤولاً عن أيّ واحدة منها. الشباب والصبايا هم الذين يوزّعون (العرائض) ويأتون بالتواقيع. طبعاً أنا أحياناً أمتعض لأنّ فلاناً أو علاناً لم يؤيّدني، ولكن هذا لا يحبطني، لأنني أصلاً، وبصراحة متناهية، ضعيف الثقة بمعظم المثقفين العرب؛ بل أعتقد أنّ أبرز مشاكلنا في عالمنا العربي هي تخاذل المثقفين في نصرة القضايا العادلة بما يتعدّى معسولَ الكلام. أنا بصراحة أكثر اهتماماً بالناشطين والناشطات، ولا يهمني إنْ كانوا من المثقفين.


- من ضمن حملات التضامن الكثيرة التي انطلقت للوقوف بجانبكم هناك حملة من المثقفين العراقيين. ماذا تعني لك هذه الحملة، خاصة أنّ خصمكم فخري كريم عراقي وكردي ومستشار للرئيس العراقي؟


*العراق شعبي ووطني. و'الآداب' مجلة العراقيين كما هي مجلة اي عربي آخر، وإنْ كنت أعترف بأنّ حظّ فلسطين والعراق من اهتمام المجلة يفوق أيّ قطر عربي آخر في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. إذن، تضامن العراقيين معي هو إقرار بدور 'الآداب' في رفع صوتهم ضد الحصار والاحتلال وأجراء الثقافة. وأنا بالغ الشكر لهم.


ـ هناك انتقادات وُجّهتْ إلى الحملات التضامنية معكم، وهي أنها تتدخل في شؤون القضاء، عن طريق إدخال الايديولوجية والعواطف (مع المقاومة ضد الاحتلال)، وهذا يعني ـ وفق قول المنتقدين - أن هذا تدخل في شؤون القضاء وحرفٌ لمسيرة القضاء المستقلة. كيف تردون على ذلك؟ وهل فعلاً يحق إدخال القضاء في مجال العواطف (مع أو ضد المقاومة)؟ أليس القضاء هو مجال الدليل والبينة، وليس الايديولوجيا والعواطف؟
* هذا السؤال يُسأل للأشخاص الذين وقّعوا العرائض أو حبّروا المقالات. في رأيهم أنّ الحملة ليست قضائية فقط، وأنّ القضاء هو واجهة للصراع الطبقي والسياسي والثقافي. ولو كان للبنانيين كاملُ الثقة بالقضاء اللبناني، لما لجأوا إلى المحكمة الدولية لكشف قتلة رفيق الحريري! على كل حال، القضاء اللبناني تعتوره المشاكل، وليس منزّها (كما أسمع من محامين وقضاة) عن الرشوة والفساد خلافا لما يزعم البعض.
في الوقت الذي نلاحظ كثافة الحملات المتضامنة معك الكترونياً، نلحظ تراجعاً كبيراً على مستوى الجرائد الورقية، وتراجعاً أكبر على الصعيد التلفزيوني. كيف تقرأ هذا الأمر، خاصة أنك تُعتبر من أشد المناصرين للمقاومة في لبنان، ومع ذلك نجد أن تلفزيون المنار لم يقف إلى جانبكم كما يجب؟


* أولاً هناك أكثر من مئتي مقال نُشر تضامناً مع مجلة 'الآداب'. نعم، هناك جريدتان فقط وقفتا معي بشكل واضح، هما 'الأخبار' و'القدس العربي'؛ وهذا ليس غريباً لأنهما من الصحف المقاومة النادرة. أما بالنسبة إلى وسائل الإعلام المرئية، فنحن نعرف أنّ معظمها أو أكثريتها الساحقة مموّلة من قبل بلد معين. أما حزب الله فهو، للأسف، لا يهتمّ عادة بقضايا خارج قضيّة المقاومة بالمفهوم الضيق، ويبدو انه لا يودّ معاداة النظام العراقي.


- ننتقل إلى شق ثان. أتذكر أن 'الآداب' كانت أول مجلة طرحت موضوع العروبة الجديدة، وها أنت الآن موجود في مؤتمر رسمي في دمشق يطرح هذا الموضوع! هل يفرحك أنّ الفكرة التي طرحها مثقف قد وجدتْ مَن يتلقفها ويسعى إلى تحويلها إلى فكر عامّ؟
* لست متأكداً من توصيف المؤتمر على هذه الشاكلة. لا أعتقد أنّ المؤتمر (دمشق 15- 19 أيار/مايو 2010) في أكثر أوراقه طرح مفهوم 'العروبة الجديدة' كما أفهمه أنا على الأقلّ: عروبة لا تقدِّم المجتمعَ على حساب الفرد، ولا تقدّم الطليعة الثورية والحزبَ القائدَ على حساب المجتمع. ولكنْ إذا كان هناك بعضُ الأصوات في هذا المؤتمر الرسميّ قد طرح مفاهيم العروبة الجديدة كما أفهمها، فهذا شيء جيد، شرط ألا يَستخدم هذا الشعارَ لدعم أنظمةٍ تختلف عملياً عن هذه العروبة الجديدة! وأما أن تكون هناك أصواتٌ رسمية تستغلّ المفهوم الجديد لتعزيز الأنظمة القديمة، فهو ما ينبغي أن نحذّر منه. وعلينا دائماً أن نميّز بين ما يُطرح نظرياً وما يمارَس عملياً لتحقيق مصالح طبقة أو نظام أو فرد ما؛ أما الأفكار في حدّ ذاتها فلا نستطيع أن نقول إنها مستبدّة وقمعية لمجرد أنّ المستبدين والقامعين يستخدمونها! أما بالنسبة إلى تحويل أفكارنا إلى تيار عامّ فهذا طموحُ كلّ المثقفين الناشطين، إذ لا يريدون أن تبقى أفكارهم مقصورة على نسبة معينة من الناس، بل هم يرحّبون بأن تنتشر لدى أطراف لا يتبنّونها تماماً لأنّ مجرد طرحها يبث خلخلة في التفكير السائد.


ـ دعنا نتحدث عن مجلة الآداب. منذ أكثر من عشر سنوات وهي في محنة. لماذا الإصرار على الاستمرار في بقائها على قيد الحياة؟ لماذا يستمر سماح إدريس في تحمل كل هذه الخسائر المادية في سبيل نشر الآداب؟ أهي مشروع مقاومة؟ مشروع أدبي؟ محاولة لقول ما لايجرؤ الآخرون على قوله؟


*هي كل ذلك، ولكنها مشروع شخصي أيضاً. أعتقد أنّ كل مشروع ثقافي، ما لم يكن مشروعاً شخصياً، محكومٌ بأن يتوقف في هذه الأزمنة العصيبة. ولو تأملتَ 'الآداب' كمشروع اقتصادي فهي مشروع خاسر وأحمق! هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية فإن 'الآداب' قوة إحراج إلى حدّ ما، ولذلك تُرفع عليها الدعاوى هنا، وتمنَع أو تصادَر هناك. ولو لم تكن تشكّل إحراجاً (ولا أقول خطراً بالتأكيد)، فلماذا يعيرها أعداؤها كلَّ هذا الاهتمام؟ لماذا يجعلون منا شهداء؟ لماذا يجرجروننا إلى المحاكم؟ فليتجاهلونا،أفضل لهم ولنا!


أعتقد أنّ 'الإحراج' في المرحلة الراهنة هو أقصى ما يمكن أن نطمح إليه. وهو يمهّد لأن يصبح في المستقبل جزءاً من مقاومة ثقافية حقيقية. المقاومة لا تأتي من السماء فجأة، بل نتيجة تراكمات، ومن أهم هذه التراكمات عنصرُ الإحراج. يكفينا فخراً في هذه المرحلة الرديئة أن نصمد وأن نحرج كل من تخلّى عن رسالة العدالة في بلادنا!


- كيف ترى نهاية الحل في فلسطين؟ أهو لدولتين أم لدولة ثنائية القومية؟


*لا هذا ولا ذاك. أعتقد أنّ علينا أن نعود إلى الطرح الأساسي الذي طرحته الفصائلُ الأساسية في منظمة التحرير قبل عقود، ألا وهو الدولة الفلسطينية الواحدة على كامل فلسطين التاريخية، في إطار عروبة فلسطين، وضمن أفق اشتراكي تعددي ديمقراطي، ولكن مع تطوير كل هذه المفاهيم (عروبة، اشتراكية...). مشروع الدولتين لم يعد (بل لم يكن في رأيي أصلاً) مشروعاً واقعياً. إسرائيل دمّرتْ كلّ أسس قيام دولة فلسطينية على الضفة، وطبعاً دمّرتْ أسس أيّ دولة فلسطينية في غزة عبر المجازر التي ارتكبتها. وهناك تداخل عميق الآن بين اليهود الموجودين في فلسطين، والفلسطينيين العرب. أعتقد أن علينا الآن أن نطرح جدياً مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة. رُبّ قائل إنّ اليهود الموجودين في فلسطين لن يقبلوا بأن يكونوا متساوين مع الفلسطينيين، إذ لن يوافقوا طوعاً على التخلّي عن امتيازاتهم. وهذا منطق مقبول، ولكنْ من قال إنّ على كل مشروع أن يقنع أعداءه لكي يكون واقعياً؟ حل القضية في جنوب افريقيا لم يكن عبر إقناع المستوطنين العنصريين، بل

في إغلاق المنافذ الدولية أمامهم عبر المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الابارتهايد. عندما يعرف العنصريون أنْ لا مجال أمامهم لأن يبقوا أسيادا عنصريين في بلادنا، فسيقبلون بحلّ مساواتي، أو يهاجرون ولا أسف!


لكن ينبغي على هذا الطرح أن يترافق، في رأيي، مع إسهامنا نحن، كعرب، في حلّ 'المسألة اليهودية'. علينا أن نتوقف عن التكرار الغبي: 'الأمر

لا يعنينا، الأوروبيون هم الذين اخترعوا المسألة اليهودية فليحلّوها'. نعم الأوربيون هم الذين اخترعوها، ولكن اليهود عندنا اليوم، ونحن (لا الأوروبيون) ضحاياهم! أنا لا أفهم لماذا لا تقوم الأنظمة العربية، بما في ذلك الأنظمة الأكثر استبداداً، بفتح أبوابها أمام اليهود العرب للعودة إلى أوطانهم. لا أفهم ماذا يضيرنا، كأنظمة أو مجتمعات عربية، أن نقول لليهودي المصري أو اليهودي اللبناني أو اليهودي العراقي: 'هذا وطنك، هذا بيتك، عُد إليه، متساوياً مع غيرك'؟ أنا ضدّ أن يعود هذا اليهودي العربي مستبداً، وأن يكون فوق العرب الآخرين، وضدّ أن تقوم الأنظمة العربية باستغلال هذه المسألة لكي تجمّل وجهها القبيح أمام الإمبريالية الأمريكية، أو أن تأتي باليهودي وتمنحه امتيازاتٍ على حساب المواطنين الآخرين. لكني أعتقد أنّ علينا أن نعطي لكلّ ذي حقّ حقه، وخاصة إذا كان ذلك يساعد على شق المجتمع الإسرائيلي والرأي العام الدولي المعادي لنا.
- في كلمتك التي ألقيتها في مؤتمر 'العروبة والمستقبل' قلت بحرية العمل مع الإسلاميين. أنا تفاجأتُ عندما رأيتُ مثقفا علمانيا مثلك يدعو إلى هذا. ما هي الضوابط مستقبلاً بأن يلتزم الاسلاميون بمعايير الديمقراطية وغيرها؟


* في الكلمة التي أشرتَ إليها قلتُ: 'ليس هناك إسلام واحد بل إسلامات'. إنّ وضع كلّ الإسلام السياسي في سلّة واحدة خطأ منهجي، فضلاُ عن أنه بالضبط ما تريده الإمبريالية الأمريكية. إسلامٌ كإسلام حزب الله يحارب الصهيونية، وعلينا أن ندعمه بكل قوتنا حين يفعل ذلك. ولكنْ في الوقت نفسه علينا أن ننبّه إلى مخاطره ومآزقه (وبالمناسبة هو يعاني أزماتٍ حادة، تبرز في غزة ومصر وغير بلد عربي). نحن هدفنا التحرير، وبناء مجتمع ديمقراطي. فإذا كان الإسلاميون يتفقون معنا في بعض الجوانب، فما الخطر أو الخطأ في اللقاء معهم؟ غير أن هذا ينبغي أن يكون مشروطاً بأن نبقي على تنظيماتنا وتشكيلاتنا المستقلة، وأن نستأنف التدريب المسلح، ومواصلة كافة أشكال المقاومة التي لا يمارسها الإسلاميون، وعلى رأسها مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال وبناء العلمنة والنضال من أجل الزواج المدني الاختياري... وكل الأمور الأخرى التي هي في صميم الفعل المقاوم، لكنّ الإسلاميين يغضّون الطرف عنها أو يعادونها.


- احتلال العراق أثار شقاقاً تعدّى السياسيين ما بين مؤيّد للاحتلال ومخالفٍ له ليصل إلى المثقفين. بعض هؤلاء قال إنّ الاحتلال مبرَّر لأنه أفضل وسيلة للتخلص من الاستبداد؛ وبعضهم استشهد بهيغل أنه عندما جاء نابليون استقبله وكان يستبصر المستقبل (أي أن مستقبل ألمانيا في هذا المكان لا في مقاتلة الاحتلال) لأن هذه أنظمة لابد أن تنهار ولو عن طريق الخارج. كيف تقرأ ذلك؟


ـ أعتقد أن هذا كان يمكن أن يُطرَح ويقْنعَ البعضَ قبل خمس سنوات. ولكنْ مَن يطرح هذا الآن بعد أن رأى ما أحدثه الاحتلالُ في العراق؟! هل أدى أيّ خدمة نبيلة؟ حسناً، لقد 'خلّصنا' الاحتلال من الاستبداد، ولكنْ ماذا أحلّ مكانه؟ التقسيم، الشرذمة، الكانتونات، الفصل العرقي، سرقة أموال العراق ونفط العراق؟ الأكراد أنفسهم ليسوا في وضع يُحسدون عليه: فهم يُحاربون من الأتراك، ومن الحكومة المركزية، ويُستخدمون بيدقاً من هنا وهناك. الليبراليون من اليساريين السابقين يخطئون (أو يخونون بالأحرى) حين يقدّمون مشروع 'بناء الدولة' على مشروع 'مقاومة الاحتلال'. لا يمكن بناء دولة مستقلة وذات سيادة ما دام الاحتلال قائماً. الخبثاء يستخدمون الاحتلال لا لبناء الدولة بل لتكريس مصالحهم الشخصية والطبقية بوجود الاحتلال ودعمه. وهذا هو واقع السلطة العراقية والسلطة الفلسطينية اليوم. علينا أن نفضح هؤلاء. هؤلاء هم أكثر من يخونون مشروع بناء الدولة الحقيقية!



- ما هي مشاريعك الشخصية؟


* أنا الآن مهتم جداً بمواصلة الكتابة للأطفال، والأحداث (الفتيان والفتيات). ومنذ أيام صدر كتابي الجديد للأطفال، وهو أول عمل في حدّ علمي ينتقد بقالبٍ قصصيّ أدبَ الأطفال المكتوبَ باللغة العربية. أما عن فئة الأحداث تحديداً، فهي مغبونة إلى أقصى حد في الأدب العربي. المثقفون العرب لا يأبهون البتة للفتيان والفتيات، ويستخفّون بهم؛ وفي هذا موقف رجعي وفئوي. إذا كان هذا المثقف يهتمّ فعلاً بتقدم الوطن العربي، فعليه أن يهتم بعدة فئات من المجتمع، لا بـفئة واحدة تسمّى 'النخبة'. ثم يتذمّر المثقفون العرب من أنّ الناس لا تقرأهم! الناس لا يقرأونكم، يا سادة، لأنكم لم تمشوا معهم منذ البداية، لأنكم لم تهتموا بهم حين كانوا أطفالاً وأحداثاً. فحين لا تهتمّون بهذه الفئات العمرية، سيأتي الشباب بعمر 24 ـ 25 سنة ولا يجدون أمامهم من كان ينبغي أن يهتمّ بهم من الكتّاب العرب، فيندفعون إلى الفيديو والأفلام والنت، أو يقرأون الكتب الأجنبية إنْ كانوا يتوفرون على معرفة باللغات الأجنبية التي استمتعوا بأدبها حين كانوا أصغر سناً. وأعمل حالياً على إنجاز رواية للفتيات والفتيان تدور أحداثها في صيف 2006، زمن الغزو الإسرائيلي والمقاومة.


المشروع الثاني الأهم في حياتي هو المعجم العربي ـ العربي الذي بدأناه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهو الآن في صفحته رقم ثمانية آلاف. وأزعم أنه من أهم المشاريع النهضوية العربية في القرون (لا العقود!) الأخيرة، وعليّ أن أُنهيهُ خلال ثلاثة أعوام. المشكلة أنني لا أستطيع ذلك لأنني أحمل عدة 'بطّيخات' بيد واحدة: من نشاط سياسي شبه يومي، إلى الكتابة للأطفال، إلى المجلة، والترجمة، والكتابة لجريدة الأخبار، والاهتمام بوضعي العائلي المستجدّ...


أنا أُصر على أن هذه المشاريع كلها مترابطة، ولا أستطيع التخلي عن أيّ منها. أريد وقتاً أكثر. أريد أن يتحول اليوم من أربع وعشرين ساعة إلى 72 ساعة على الأقل. هل أنا جشع إلى هذا الحدّ؟

أجرى الحوار: محمد ديبو


2010-06-28

القائمة الرئيسية
دراسات وبحوث
الحوار الوطني العراقي
مقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنون
البوم الموقع
عروض كتب
معطيات جغرافية
مدن عراقية
موجز تأريخ العرق
English articles
قصص واقعية في زمن الاحتلال
 
جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©