|
في ذكرى انطلاقة تلفزيون بغداد
تلفزيون بغداد إذ يحتفل بالذكرى 54 لانطلاقته فإنه اليوم وريث هجين لذلك التلفزيون البريء
في الثاني من مايو 1956 وفي الساعة الخامسة مساء كان البغداديون, يلتفون حول مئات من اجهزة التلفزيون الجديدة يترقبون لحظة افتتاح محطة تلفزيون بغداد من قبل المرحوم الملك فيصل الثاني ملك العراق, الذي دشن افتتاح أول محطة تلفزيون في الشرق الاوسط والوطن العربي والمنطقة. وقام الملك ومن معه من كبار المسؤولين بافتتاح المحطة في منطقة الصالحية ببغداد, وكانت عبارة عن قاعة (بنكلة) هي ستوديو التلفزيون الوحيد, لاتتجاوز مساحته ال150 مترا مربعا.
وتبتدئ قصة التلفزيون العراقي الوليد بافتتاح المعرض التجاري البريطاني العراقي المشترك العام 1955 على مساحة من الارض تقابل بناية الإذاعة العراقية في الصالحية (حاليا هي فندق ميليا المنصور), وتضمن المعرض المذكور فرعا لشركة (باي) البريطانية التي عرضت استديو بث تلفزيوني داخلي مع عدد من الكاميرات في المعرض الذي حاز اعجاب ودهشة الناس وهم يتفرجون على اول بث تلفزيوني, حيث كان الناس مندهشين وهم يشاهدون صورهم تتحرك على شاشة التلفزيونات المعروضة. وقبل انتهاء فترة المعرض صدرت ارادة ملكية بشراء استديو البث والكاميرات التي عرضتها شركة باي, وتحويلها الى مبنى الإذاعة والتلفزيون المقابل للمعرض, وتم بناء (بنكلة) استديو البث خلف مبنى الإذاعة العراقية, كما تم تكليف احد الصناعيين العراقيين بانشاء برج البث الحديدي استغرق انشاؤه ثلاثة شهور, وارسلت شركة (باي) البريطانية ثمانية خبراء باشروا بالعمل وبدأت المرحلة التجريبية للتلفزيون وكانت السارية انذاك تبث مسافة (25) كم فقط!
كانت العوائل البغدادية تجلس متسمرة امام الصندوق الأعجوبة الصغير, اجهزة التلفاز, تنتظر اطلالة المذيع بعد بث السلام الملكي, وهو يظهر على الشاشة مبتسما ابتسامة خفيفة: "هنا محطة تلفزيون بغداد تحييكم وتبث برامجها على القناة 8 أول محطة تلفزيون في الشرق الأوسط", المشاهدون, كان دورهم التفرج والحكم بالنجاح او الفشل على ما يشاهدونه, اما هؤلاء الذين يجلسون وراء هذا الصندوق الصغير, على حد تعبير الناس في ذلك الوقت , فهم باعثو الحياة لاشياء تكاد تكون عقيمة بحكم الظروف السيئة التي تحيط بهم, فمن الامكانات البسيطة الى قلة الكادر الذي لايفي بابسط متطلبات العمل الفني, انطلقت اول محطة تلفاز عربية. وكان الوقع على الناس مختلفا, والموقف كان متفاوتا, البعض رأى فيه (حراماً) وبعض العجائز كن يلففن العباءة على اجسادهن ووجوههن خشية ان يكون المذيع الظاهر في شاشة التلفاز حيا يتفرج عليهن وهذا حرام ولا يصح في نظرهن. كما أن البيوت العراقية لم يكن بوسعها جميعا امتلاك جهاز تلفزيون, فكان التلفزيون حكرا للاغنياء والمتمكنين ماديا, الذين كان بعضهم يتقبلون على مضض زيارة (الجوارين) للتمتع معهم بمشاهدة برامج التلفزيون من السادسة مساء حتى العاشرة ليلا حينها!
بعد الافتتاح تلاوة من القرآن الكريم للمقرئ العراقي الشهير الحافظ خليل اسماعيل يرحمه الله, ثم كلمة لجلالة الملك المعظم. ثم كانت اول حفلة غنائية بثت مباشرة من الاستديو اشترك في احيائها الراحلان ناظم الغزالي وحضيري ابو عزيز والفنانة عفيفة اسكندر وآخرون, وكان البث من المحطة مباشراً من دون تسجيل. وبقيت الحفلات الغنائية والبرامج الحوارية, والتمثيليات التلفزيونية وبرامج المنوعات تبث مباشرة حيث لم يدخل التسجيل الفيديوي في تلفزيون بغداد الا العام 1964 وذهبت هباء من دون توثيق ولا تسجيل الكثير من البرامج والتمثيليات الرائعة التي قدمها التلفزيون العراقي منذ تأسيسه لغاية ادخال تقنية الفيديوتيب. علما ان الفنان الكبير الراحل ناظم الغزالي توفي في 13/11/ 1963 ولم تكن محطة تلفزيون بغداد تمتلك تسجيلا واحدا له لولا المجموعة التي اهدتها محطة تلفزيون الكويت العام 1963 إلى التلفزيون العراقي عن حفلات حية مسجلة للراحل ناظم الغزالي سجلت في تلفزيون الكويت الذي كان ثاني محطة تلفزيون في المنطقة.
كان اول برنامج اطفال يقدم من على شاشة تلفزيون بغداد هو برنامج "نادي جحا" والذي كان يعده ويخرجه الفنان العراقي المبدع خليل شوقي ويعتبر من احب البرامج للمشاهدين آنذاك خاصة ان جحا يحكي لهم قصصاً ويقدم لهم افلاماً للكارتون ويوزع عليهم الحلوى التي كان جحا يضطر لشرائها على حسابه من اجل اسكات الاطفال الذين يبكون في البرنامج خاصة ان البث التلفزيوني على الهواء. وكان برنامج (عمو زكي) من أشهر برامج الأطفال. كما كان هناك برنامج للسلامة العامة المرورية يقدمه المرحوم عدنان عبدالمجيد. كما كان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي يقدم برنامجا اسبوعيا في قضايا اجتماعية. زكان مصطفى جواد يقدم برنامجا في التاريخ مع زملائه فؤاد عباس وحسين امين وسالم الآلوسي.
كانت محطة تلفزيون بغداد هدفا للانقلابيين, ففي صبيحة 14 يوليو اقتحمها عبدالسلام عارف ليذيع البيان الاول لانقلاب "14 تموز" الدموي, ثم في 8 فبراير 1963 تعرض التلفزيون إلى اقتحام انقلابيي رمضان, وفي 18 نوفمبر كان عبدالسلام عارف يبث بيانه من محطة التلفزيون بانتهاء فوضى الحرس القومي. وفي 17 يوليو اقتحم انقلابيو البعث المحطة ليذاع البيان رقم 1 بانهاء حكم عبدالرحمن عارف, وتكررت المسألة يوم 30 يوليو 1968 ليذاع بيان احمد حسن البكر بطرد النايف والداوود. هذا عدا عن المحاولات الفاشلة التي حصلت بين آونة واخرى بين 1958 و1968 وكانت محطة التلفزيون الهدف الاول للانقلابيين أو المتآمرين (حسب مقتضى الحال) لأنهم يعرفون التأثير الكبير للتلفزيون على الناس اعلاميا ونفسيا.
تلفزيون بغداد إذ يحتفل اليوم بالذكرى 54 لانطلاقته, فإنه اليوم وريث هجين لذلك التلفزيون, فقد صار البث فضائيا عبر الأقمار الصناعية, وتطورت صناعة التلفزيون, والمحطة العراقية الوحيدة صارت اليوم خمسين محطة منها الحكومي ومنها الحزبي ومنها المستقل, تبث مختلف الانواع, من رسائل طائفية وعرقية, وحزبية, وتلفزيونات , الا من رحم ربك, والناس صارت تترحم على تلك الايام التي كان (تلفزيون واحد) يبث, بقناة واحدة, تجمع الناس على البراءة والمؤانسة, وكانت العائلة تجد متعتها فيما تشاهد مهما كانت المادة بسيطة, اما اليوم فان 90 في المئة من العراقيين ماعادوا يتابعون قناة عراقية واحدة بل صارت تطلعاتهم وأهواؤهم وراحتهم في مشاهدة الغير ونسيان الهموم العراقية التي تذكرهم بها فضائيات غريبة التمويل, تبث الفتنة والاحتراب والسفاهة. من حق الناس ان تترحم على تلفزيون عمره نصف قرن ونيف, صار أثرا بعد عين.
د. ايمن الهاشمي 2010-04-29
|