|
تقرير القيادة المشتركة للقوات الأمريكية حول التحديات العسكرية في السنوات الـ 25 القادمة - الجزء الأول
بيئة عمل القوة المشتركة JOE 2008
تحديات ومفاهيم لمستقبل القوة المشتركة JOE 2008
(الجزء الأول)
نبذه عن هذه الدراسة
تهدف بيئة العمل المشتركة إلى إيضاح مفهوم تطوير العمل المشترك والخبرة المكتسبة من خلال عمل وزارة الدفاع، وتعطي هذه الوثيقة المنظور المستقبلي لاتجاهات مثل الصدمة، المباغتة، وسياقات ومضامين أخرى لمستقبل قيادة القوة الأمريكية المشتركة وكذلك للقادة المحترفين في مجال الأمن القومي.
وهذه الوثيقة هي افتراضية بطبيعتها وليس بالضرورة أن تتنبأ بما سيحدث في ال 25 سنة القادمة من هذا القرن، وتهدف أيضا إلى وضع استراتيجية تساعد في مناقشة مستقبل بيئة الأمن على مستوى العمليات الحربية.
تتوجه الطلبات مباشرة إلى بيئة العمل المشترك الأمريكية USJFCOM الشؤون العامة:
1562 Mitscher Avenue, Suite 200, Norfolk, VA 23551-2488, (757) 836-6555
مقدمة الكتاب
التنبؤ بالمستقبل عملا محفوفا بالمخاطر دائما، فلا أحد يمتلك الكرة البلورية، وبغض النظر عن أننا لا نحاول التنبؤ بالمستقبل، ليس هناك شك أننا سنفاجئ الجميع حينما نعمل جاهدين على حماية التجربة الديمقراطية التي تدعو لها أمريكا.
أن وثيقة JOE 2008 هي إعلان تاريخي يهدف إلى بذل مزيد من الجهود في تبيين اغلب التحديات، بدقة كبيرة، والتي ستواجهنا على مستوى العمليات الحربية وتحديد مفاهيمها المتلازمة.
ونعترف أن البيئة المستقبلية لن تكون كما نصفها في هذه الوثيقة، لكننا واثقين بشكل كامل أن هذه الدراسة ستقود بشكل حتمي إلى تطوير مفهوم المستقبل.
وبينما لا توجد دراسة تشير إلى المستقبل بشكل صحيح 100% إلا إننا نؤمن أن أهم ما نحصل عليه سيكون كافيا تماما، والتحديات المقلقة للوصول إلى الكمال لا يمكن أن تعيقنا عن بذل أفضل الجهود.
وعندما تأتي الحرب في المستقبل سيكون مطوري مفاهيمنا اقل أسفا إذا حاولوا بالفعل فهم ودراسة التحديات والحلول الضرورية للمفاهيم الأمنية الموضحة في JOE ، وفي خط عملنا، سيعّرف الندم البسيط مقدار النجاح عندما تَجْلبُ صدماتَ النزاعِ عنصر المفاجأةَ التي تُرافقُ الحربَ دائما.
احتفظت الولايات المتحدة بعنصري القوة " الترويع والإلهام". وسنستمر بممارسة دور القيادة لحماية القيم النابعة من حكمة أمتنا.
لا يجب أن ننساق وراء وهم التهديدات التي تشاركنا مفاهيمنا، ولكن في نفس الوقت يجب الاعتراف أن الجيش واحدة من السمات الحرجة للقوة الأمريكية، حيث يجب على هذه القوة أن تدرك المحددة إلى التكيف مع التهديدات الأمنية التي نواجهها، سواء أن اختار العدو أن يحاربنا بالأسلوب الذي نفضله أم لا. ولم يستطع الجيش لحد ألان أن يبتعد عن متطلبات صناع القرار السياسي.
بينما يذهب هذا التقرير للطباعة ، نواجه نحن تحديات الظروف الآن ، لذا فإن JOE يحاول تناول وجهة نظر على المدى البعيد ويتجنب الحديث عن رؤيا حتمية لحرب مستقبلية، وان أي عدو يستطيع أن يتكيف لاستهداف نقاط الضعف المحسوسة لدينا، لذا فان النتائج التي استنبطتها هذه الدراسة لم توضع موضع التطبيق بعد، لكن النتائج هنا يمكن أن تستخدم كقاعدة لتقرير " Capstone Concept" للعمليات المشتركة (CCJO) التي تلخص بشكل عام كيفية عمل القوة المشتركة في المستقبل.
وإذا قام تقرير JOE بـ "إبراز المشكلة" فإن تقرير CCJO يبين الطريقة التي ستعمل بها القوة المشتركة في المستقبل لـ "حل" المشكلة، فيجب أن ينظر إلى هاتين الوثيقتين كجزء متكامل.
من الضروري أن نبقي على العقول المفتوحة لاتخاذ مواقفنا، في مسعى ذا سلوك بشري مشحون بالحيرة مثل الحرب، فالمسؤولية تحتم علينا أن نسلم الجيش إلى ورثتنا تحت ظروف أفضل من التي نعيشها اليوم، ويسرنا أن نتقبل الانتقاد في عملنا هذا ونخطط لتجديد JOE بشكل دوري لاستقبال المساهمات في التطوير التكنولوجي، والتوظيف، حيث أن الإطار التصوري ضروري أيضا، ونيتنا أن يلهم تقرير JOE الانفتاح على التغيير الطارئ الذي نحتاجه عندما تكثر التهديدات الملحة والبعيدة.
التوقيع
J. N. MATTIS
General, U.S. Marine Corps
Commander, U.S. Joint Forces Command
المحتويات:
المقدمة
الجزء الأول: الثوابت.
أ - طبيعة الحرب.
ب - طبيعة التغيير.
ج- تحدي العراقيل.
د- الإستراتيجية الكبيرة.
الجزء الثاني: الاتجاهات التي تؤثر على امن العالم.
أ- الخصائص السكانية
ب - العولمة
ج- الاقتصاد
د- الطاقة
هـ - الطعام
و- الماء
ز- تغيير مناخِ وكوارثِ طبيعيةِ.
ح- الأوبئة.
ط- الانترنت.
ي- الفضاء.
ك- الاستنتاج.
الجزء الثالث: ظروف العالم
أ- المنافسة والتعاون بين القوى التقليدية.
ب- التحديات والتهديدات المحتملة.
1- الصين.
2- روسيا.
3- المحيط الهادي والمحيط الهندي.
4- أوربا.
5- وسط وجنوب أمريكا.
6- أفريقيا.
7- مركز عدم الاستقرار: الشرق الأوسط ووسط آسيا.
ج- الدول الضعيفة والفاشلة.
د- تهديدات القوة الغير مألوفة.
هـ- انتشار أسلحة الدمار الشامل.
و- التكنولوجيا.
ز-المعركة الكلامية.
ح- التمدن.
الجزء الرابع: النتائج للقوة المشتركة.
أ- الحرب في القرن الحادي والعشرين.
ب- الاستعداد للحرب.
ج- إدارة العمليات العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
د- التربية العسكرية المحترفة.
الجزء الخامس: بعض الأسئلة الهامة.
أ- اقتصاد الدفاع وسياسة الاستحواذ.
ب- نظام الموظفين.
الجزء السادس: أفكار استنتاجيه.
" الحرب مسالة حيوية ومهمة بالنسبة إلى الدولة، إنها قضية حياة أو موت، والطريق إلى البقاء أو الهلاك، لذا من الضروري أن تكون مدروسة بعمق"1 Sun Tzu
المقدمة:
ستواجه القوة الأمريكية المشتركة في الربع القادم من القرن الحالي، تحديات في ارتفاع فرص حدوث حروب عادية وغير عادية في الأراضي البعيدة، وفي تقديم الإغاثة وإعادة الأعمار في مناطق الأزمات، ودعم التزام المجتمع الدولي. وأثناء ذلك الوقت ستتفاوت أسباب النزاع من الحسابات السياسية العقلانية إلى العواطف التي لا يمكن السيطرة عليها، حيث سترتفع قدرة أعدائنا على الهجوم من الأحزمة الناسفة التي يرتديها الانتحاري إلى الانترنت الموجه والفضاء وكذلك الهجمات الصاروخية.
ومن المحتمل أن يتوسع استخدام أسلحة الدمار الشامل –الأسلحة النووية والبيولوجية والكيمائية- من الدول المستقرة والأقل استقرار وتشمل حتى الجماعات الغير حكومية.
ومن المستحيل التنبؤ بدقة، كيف ستظهر هذه التحديات وأي شكل ستأخذ، ومع ذلك فمن الضروري محاولة تأطير السياقات الإستراتيجية والمفاهيم للمستقبل، من اجل تشكيل لمحة حول البيئة الممكنة التي يعمل بها القادة السياسيين والعسكريين وكيف سيستخدمون القوة المشتركة.
ولا تكمن قيمة مثل هذه الجهود في النتيجة النهائية، لكنها تكون ذات قيمة كبيرة حينما يشارك في نقاشها السياسيون وصناع القرار.
بالكفاح وحده مع وجود الإمكانيات اللازمة و تحديد المؤشرات القيادية ومن ثم قراءة مؤشرات الوقت ستتمكن القوة المشتركة من الإجابة على بعض تحديات المستقبل. البديل هو التركيز ألان بشكل خاص على هذه الدراسة أو تمريرها بيروقراطيا بعدها سيتكون النتيجة هي عدم القدرة على اتخاذ اللازم في الأزمات القريبة وستكون الخسائر كبيرة في المال والأرواح.
يتطلب التفكير بالمستقبل، فهم ما هو الابدي وما الذي من المحتمل أن يتغير، وكما اقترح Thucydides في القرن الخامس BC " ما حدث في الماضي (وهي من طبيعة البشر) سيتكرر أحيانا بطريقة أو بأخرى في المستقبل" (2)، لكن السمات لن تتغير.
وستتشابه التحديات في المستقبل بطرق شتى وهي التحديات التي واجهت أمريكا في القرنيين الماضيين.
وعلى الرغم مِنْ المناخِ العقلاني الحاليِ في مُعظم العالم المتطور، إلا أن النزاع سوف لَنْ يَختفي، فالحرب كانت العامل الرئيسي للتغيير عبر التاريخ، وليس هناك سبب للاعتقاد أن المستقبل سيختلف في هذا المجال. وليست الحرب هي جزء أساسي من طبيعة التغيير لأنها أي الحرب قبل كل شيء هي فعل بشري.
وعلى النقيض من ذلك فإن التغيير الاستراتيجي المنظور لخصومنا من ناحية التوظيف التقنيات الجديدة والإبداع والتكيف، سيعدل من طبيعة عمل القوة المشتركة بشكل كبير.
وهنا يفيد الماضي لمعرفة المستقبل – طبيعة التغيير وتأثيره على المجتمعات الإنسانية و التفاعل بين المجتمعات الإنسانية في السلم ومحاربة المنافسة.
وبينما سيبقى الكثير على حاله إلا إن التغيير سيستمر ليكون القوة المحركة في الشؤون الإنسانية.
لا احد يستطيع أن يستبعد الاحتمالات بان جيش الولايات المتحدة سينشغل بنزاع دائم في الربع القادم من القرن، وسيستمر أولائك الذين يقومون بعمليات الاختطاف، خلال 25 سنة القادمة، و استغلال الإسلام والعقائد الأخرى لنهاياتهم المتطرفة، وسيستمر وجود المعارضين الذين يحاولون تدمير الاستقرار السياسي ويمنعون الأحرار من الوصول إلى العالمية والمساهمة في حسم اقتصاد العالم.
في مثل هذه البيئة، سيستمر حضور ووصول وإمكانيات الجيش الأمريكي في العمل مع الشركاء الذين يتوافقون معنا في الرأي، لحماية مصالحنا الوطنية.
إن مجرد رعاية صحة القوة المشتركة والتغاضي عن القدرة على التكيف والتحول، من شانه أن يعقد الأمور بشكل كبير خاصة في أثناء فترة النزاع الطويل الأمد، من حيث الخسائر بالمعدات والأرواح بالإضافة إلى إرادة الأمة.
ستضمن طبيعة الظروف البشرية عناصر مثل الإرباك والغموض وعنصر المفاجأة، التي ستهيمن على مجريات الإحداث، ومع إننا نفكر بحذر حول المستقبل، من خلال تهيئتنا وتمسكنا المدروس بمفاهيمنا والتدريب والاستفادة من المبادئ، لكننا أيضا سنتفاجأ، فحتى أكثر رجالات الدولة حكمة، أصدمت فرضياته حول المستقبل ، بصخرة الحقيقة.
أعلن القائد البريطاني وليم بت الابن ، في بداية القرن الثامن عشر، في خطابه أمام مجلس العموم البريطاني في شباط 1792 " مما لا شك فيه انه لم يسبق لنا في وقت ما من تاريخ بلدنا، ومن خلال الحالة في أوربا، أن نتوقع بشكل معقول 15 سنة من السلام، أكثر مما نملك في اللحظة الراهنة".3
وما هي إلا شهور حتى تورطت بريطانيا بنزاع طويل دام تقريبا ربع قرن، قتل فيه الأوربيين أكثر من أي حرب أخرى في التاريخ، حتى ذلك الوقت.
وفي معنى أوسع يبحث تقرير بيئة العمل المشترك، ثلاث أسئلة مهمة:
• ما هي الأساليب والعراقيل المستقبلية التي من المحتمل أن تؤثر في بيئة عمل القوة المشتركة، خلال الربع القادم من القرن؟
• كيف يمكن أن تحدد تلك الأساليب والعراقيل، السياقات المستقبلية للعمليات المشتركة؟
• ما هي نتائج تلك الأساليب والسياقات للقوة المشتركة؟
وباستطلاع هذه الأساليب والسياقات والنتائج، سيكون للقوة المشتركة قاعدة للتفكير بمستقبل العالم في الربع القادم من القرن، والغرض منه ليس التنبؤ، لكنه اقتراح طريقة تساعد القادة على التفكير بشأن المستقبل.
وإذا كانت الحرب في جوهرها سلوك ومسعى بشري، فليس هناك أفضل من قصص التاريخ لفهم الطبيعة البشرية، فبدلا من استعمال التظليل والتخطيط المستقبلي تستطيع القوة المشتركة أن تستند على التاريخ كطريق رئيسي لكسب البصيرة إلى المستقبل، حيث تبدأ مناقشة الطبيعة الدائمة للحرب بدراسة الأسباب ونتائج التغيير وعنصر المفاجأة ومن ثم دور الإستراتيجية.
ويصف الجزء الثاني من هذه الوثيقة بعض الاتجاهات والتوقفات، ومناطق الاضطرابات المحتملة والتي من الممكن أن تواجه القوة المشتركة.
ويقوم الجزء الثالث بتحليل كيفية ربط ودمج الأساليب والعراقيل بالسياقات التي ربما ستحدد العمليات المشتركة خلال الربع القادم من القرن.
ويصف الجزء الرابع نتائج هذه السياقات بالنسبة للقوة المشتركة بينما تواجه مستقبلا مجهولا، ويَقترحُ هذا القسمِ أيضاً كَيف يفكر القادة الكبار بخلق قوة مناسبة لمخاطبة التحديات التي ستقدمها هذه السياقات. وهذه مساهمة فريدة من بيئة العمل المشترك لتوسيع المناقشات حول المستقبل.
وقبل الختام، يَعْرضُ جزء خامسَ بَعْض "الأسئلة الهامةِ" حول المواضيع التي قَدْ تَسْقطُ خارج المدى التقليديِ لهذا الدراسة، لكن مع هذا لَهاُ نتائجُ مهمةُ تفيد مستقبل القوة المشتركة.
سنجد أنفسنا مفاجأين بالتغييرات السياسية، والاقتصادية، والتقنية، وبيئة العمليات لخصومنا، وقدرته على الإبداع، وهدفنا هنا ليس تفادي المفاجأة فذلك من المستحيل، ولكن هدفنا هو التحسب الحذر للمستقبل، واقتراح صفة القوة المشتركة القادرة على التأقلم مع اقل الصعوبات التي تولدها المفاجأة، حيث كان الاختبار الحقيقي لفاعلية الجيش في الماضي، هي قدرةِ القوة على تَشخيص الظروف التي يواجهونها في الحقيقة، ومن ثم القدرة على التكيف السريع.
في النهاية سيعتمد تهيؤنا وتصورنا للمستقبل على مخيلتنا وقدرتنا على التحرك السريع، ومن ثم التكيف مع المفاجأة وذلك كله سوف يحدد أداء القوة المشتركة في 25 سنة القادمة.
إن التحرك السريع، هو الإطار السياسي للتأقلم مع واقع الحرب، والحقيقة أن العدو أيضا يملك القدرة البشرية للتكيف، وانه المكون الرئيسي في التأثير العسكري بالماضي سيستمر ليكون كذلك في المستقبل.
الجزء الأول: الثوابت
" استند المفاوضين اليونانيين في نهاية القرن الخامس BC في حديثهم مع خصومهم الإسبارطيين، الذين سرعان ما دخلوا في الحرب معهم، على العقلانية في رفضهم التخلي عن موقعهم كأعظم قوة يونانية:لم نقم بأي عمل غير اعتيادي يناقض الطبيعة البشرية في قبول الإمبراطورية عندما عرضت علينا ومن ثم في رفض التخلي عنها، وهناك 3 دوافع قوية تمنعنا من فعل ذلك: الأمن – والشرف ومصالح شخصية. ولم نكن الأوائل في ذلك المجال".4 Thucydides
أ- طبيعة الحرب:
لا نستطيع أن نتنبأ بالضبط أي نوع من الحرب سنواجه، أو أهدافها، وستجد القوات المسلحة الأمريكية نفسها منشغلة في الربع القادم من القرن، لكننا نستطيع أن نخمن من هو العدو المحتمل و الأسلحة التي سوف تستخدم في المعركة، ونستطيع أن نؤكد أيضا أن الطبيعة الأساسية للحرب لن تتغير.
إن أهم ما يرافق العمليات العسكرية دائما في دولة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة، هو الأهداف السياسية والضغط والتردد- وسيواصل عمل ذلك.
و"عندما تذهب المجتمعات للحروب يكون السبب دائما الحالة السياسية"5 فالحرب عمل سياسي، بدأ لإغراض سياسية، وستحتفظ حرب قرن الواحد والعشرين ببعدها السياسي حتى وان شنتها المجموعات الغير حكومية والعالمية.
ستعمل القوة المشتركة داخل البيئة الدولية حيث تسود النزاعات، وبينما تستند أصول الحرب على السياسة إلا أن عوامل مختلفة أثرت في أساليب النزاع في الماضي وستستمر حتى المستقبل.
أن التوتر بين الحسابات السياسية العقلانية للقوة، من جهة و العلمانية والعقائد الدينية من جهة أخرى، وارتباطه مع تأثير العاطفة ووجود الفرصة، جعل من التنبؤ بمسار النزاع صعبا جدا إن لم يكن من المستحيل.
وعلى الأمريكيين في العقود القادمة أن يناضلوا من اجل حكم العالم، إذا عملوا وفق نفس المبادئ والقيم التي يحكمون بلادنا بها ألان، وليس هناك ممثلون عقلانيون في أجزاء عديدة من العالم على الأقل وفق مصطلحاتنا.
بالمقابل فان العدو يملك القدرة على تعبئة أعداد كبيرة من الشباب رجالا ونساء، لذبح السكان المدنيين بالسكاكين أو عن طريق الانتحاريين في الأسواق العامة، فالعدو متلهف للموت من اجل عقائده الدينية أو العرقية أو الإيديولوجية، العدو الذي يتجاهل الحدود الوطنية ولا يتقيد باتفاقيات العالم المتطور، ولا يبقى مساحة هنا للمفاوضات أو المساومات، فحينما تغيب المشاعر الإنسانية يصبح البقاء هو المسالة المهمة.
وجد مثل هذا العالم في التاريخ الحديث- في الحرب العالمية الثانية، على الجبهة الشرقية وجزر المحيط الهادي، في أفريقيا كما حصل في مذابح رواندا وبعض منها في مناطق من العراق. ويصبح من الصعب جدا تنفيذ الإستراتيجية العقلانية في عالم تسيطر عليه العاطفة.
فالحرب تشغل أحاسيسنا أكثر من أي نشاط بشري آخر، فتتسبب في "تسارع" الخوف، الرعب، والتشوش، غضب وألم و عجز، وصعوبة التنبؤ وفقدان التفكير الصائب، وفي مثل هذه الحالات فأن سوء التقدير والأخطاء في الحسابات، تشل عقول القادة العسكريين والسياسيين على حد سواء. ومن يستطيع أن يحفظ قوته باتخاذ قرار سريع لكنه سليم، في مرجل كالحرب، يعتبر إنسان استثنائي.6
هناك سمات أخرى تتصف بها النزاعات البشرية، والتي لا تتغير مهما كان التقدم في التكنولوجيا و قوة الحاسوب التي قد تستخدم فيه، ومنها التشوش والاحتكاك، الذي يشوه ويظلل سير الأحداث. فالتشوش سينتج عن تحميل المعلومات الزائدة، وسوء فهمنا الخاص وكذلك الفرضيات المعيبة، وحقيقة كون العدو سيتصرف وفق نمط غير متوقع. وما اتحد مع تشوش الحرب سيكون هو احتكاكها- سيكون هناك عدد لا نهائي من الحوادث الصغيرة المؤشرة و التحركات التي قد تفشل، مع اثر الفرص و التأثير الفظيع للقتال على تصورات الإنسانية- وسينشأ " من السمات الأساسية كحالة إنسانية، تقلبات من المستحيل تجنبها والتي تقع في صميم العمليات المقاتلة.7
إن التشوش والاحتكاك في الحرب سيحولان البسيط إلى معقد، ففي المعركة يرتكب الأشخاص الأخطاء، وينسون القواعد، ويصبحون مشوشين، ويهملون أهمية التركيز على الأشياء حتى لو كانت غير ذي علاقة، ويسود العجز من حين إلى آخر، وتقود الفرضيات الخاطئة إلى الجهل بالحالة الحقيقية. حيث تشوه تلك الفرص وتحرف وتربك أكثر الخطط حذرا، حيث اعترف المفكرون والقادة العسكريين بهذه الحقيقة دائما ولا توجد قوة حاسوبية تستطيع استئصال هذه الفوضى الكبيرة.
لا وجود للتسامح حيث يوجد الاحتكاك سواء طبقت الخطة أو المعركة أو التجهيزات العسكرية أم لا، لأنها ستكون دعوة للفشل- سيكون التدمير أكثر من المتوقع، والمفاهيم أو الخطط العملياتية واللوجستية، التي لا تسمح بالاضطراب المحتوم للحرب، هي نفسها مشكوك فيها- إنها دعوة للفشل والهزيمة أحيانا.
ما زال هناك عنصر دائمي ملازم للصراع، يقع في حقيقة كون القادة العسكريون يخفقون عادة في إدراك أن الأعداء يملكون قوة التكيف أيضا، "فالحرب ليست فعل العيش فيما لا حياة فيه، لكنها صدام بين قوتين حييتين" 8، تمتلك كل منهما الخداع وعناد، وهي خصائص تتمتع بها البشرية منذ فجر التاريخ.
حتى حينما يتقاسم الخصوم نفس الخلفية الثقافية والتاريخية فان الحقيقة المجردة للحرب ستضمن اختلاف عميق في المواقف و التوقعات والمعايير السلوكية. وعندما تشتبك حضارتين مختلفتين في نزاع فأن إمكانية تصرف الخصوم بطرق غامضة ومتبادلة يكون كبير جدا. لذا " إذا كنت تعرف العدو وتعرف نفسك، فلا يجب أن تخاف من نتائج مئات الحروب"9. يتطلب إدارة أي حرب الفهم العميق للعدو – ثقافته، تاريخه، جغرافيته، دينه، ودوافعه العقائدية، وخاصة الاختلاف الكبير في تصوراته عن العالم الخارجي. ولن تتغير الطبيعة الأساسية للحرب بعد ذلك.
ب- طبيعة التغيير
إذا استمرت الحرب كمسعى بشري، فان النزاع بين قوتين تسعيان إلى التكيف، سيغير من المشهد السياسي، وسيتكفل التكيف مع العدو والتقدم التقني بتغيير خصائص الحرب، وللأسف فان القادة غالبا ما يدركون ذلك بشكل متأخر. وانسياقا وراء الرغبة الفطرية لترتيب كل ما هو غير مرتب، يميل البشر في هذا الكون الفوضوي إلى تاطير أفكارهم حول المستقبل من نواحي الاستمرارية والاستنباط من الحاضر وأحيانا من الماضي، وفي نظرة سريعة إلى ربع القرن الماضي، نستطيع القول أن لاشي في 4 آلاف سنة ماضية يقترح أن العقود القادمة ستجلب تغييرا على نطاق واسع.
استنفذت الحرب الباردة قبل 25 سنة، كل سمات التفكير والتهيئة للحرب، في الجيش الأمريكي- من المستوى الاستراتيجي إلى مستوى تكتيكي. وأصبح ذلك الانشغال الاستهلاكي اليوم أثرا تاريخيا.
واجهت الولايات المتحدة، في ربع من القرن الماضي، خصومهم المشاكسين والعنيدين من قادة الاتحاد السوفييتي، الذين التزموا بشدة في نشر العقيدة اللينينية- الماركسية، وتوسع تأثيرهم. وأدرك البعض من رجال الاستخبارات وقتها،وحتى بين السوفيتيين أنفسهم، عمق أزمة الثقة الداخلية والتي أدت إلى انهيار الإمبراطورية السوفييتية، وبالمقابل تم نشر عشرات آلاف من الأسلحة النووية بالإضافة إلى تحشيد الجيوش، من القوة الجوية والبحرية، عبر العالم.
كانت القوات السوفيتية تحتل أفغانستان، وظهرت على حافة سحق انتفاضة لمتمردين كانوا يعانون من نقص في التجهيزات والتدريب، وكان المتمردين المدعومين من قبل السوفييت، على حافة النصر، في السلفادور.
وضع ما بعد المواجهة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، العالم بشكل مختلف عن اليوم، فكانت الصين خارجة للتو من السنوات المظلمة في فترة حكم ماو، ومن جنوب الصين، بقت الهند متوحلة في مستوى من الفقر مشابه للقرون الوسطى، والتي يبدو أن لا خلاص منها. إلى غرب شبه القارة، الشرق الأوسط، المشحون اليوم، بالمشكل الدينية والسياسية.
لكن لم يتوقع احد، أن تخوض الولايات المتحدة، خلال 25 سنة ، حربين رئيسيتين، ضد نظام صدام حسين، ويعهد بالكثير من قواته الأساسية في القمع الفوري لإعمال التمرد في العراق وأفغانستان.
أن الاختلاف بين ثقافة وتنظيم الجيش الأمريكي في حينها، يشير بشكل اكبر ألان إلى مدى العراقيل التي وجدت في الماضي، ويذكرنا نقص التنسيق بين القوات التي اشتركت في إسقاط حركة"الجوهرة الجديدة" في غرناطة في تشرين الأول من عام 1983، أن مفهوم " المشترك" في ذلك الوقت، كان مفهوما مشرفا في حالة خرق القانون أكثر منه في وقت الهدوء، وأدت تلك الحالة إلى قيام حركة Goldwater-Nichols في عام 1986 .
أما من ناحية الإمكانات، فكانت دبابات M-1 وعربة القتال Bradley قد بدأت بالوصول فقط إلى الوحدات الأمامية المنتشرة من الجيش، ولم يكن النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS) موجودا بعد، وكان مركز تدريب المجاميع، مركز التدريب الوطني Twenty-Nine Palms و Fallonو Nellis قد بدأو للتو بتغيير التحضيرات الأمريكية للحرب، حيث كان دقة هجوم للأسلحة النووية التكتيكية هي المشكلة الأكبر.
وبعيدا عن الجيش، يمكن لأي احد أن يلاحظ مدى التغيير الذي حصل في المشهد الاقتصادي والتقني، اقتصاديا كانت العولمة في عام 1983 في مراحلها الأولى، وكانت التجارة بين الولايات المتحدة وأوربا واليابان، معقدة جدا. و فيما يقبع بقية العالم تحت وطأة الفاقة، كان نمور جنوب شرق آسيا قد بدأو بالانبثاق، ولإعطاء مثال واحد على ذلك: في عام 1983 كانت تكلفة النقل اليومي لرأس المال في الأسواق الدولية هي 20 بليون دولار تقريبا، واليوم هي 1.6 تريليون دولار. وفي الجانب التقني، كان الانترنت حكرا على وزارة الدفاع لإغراض اقتصادية والاتصالات، ولم تكن نتائجه ظاهرة، والهواتف الخلوية لم تكن موجودة، أما الحاسبات الشخصية فقد بدا في استعمالها بشكل واسع في ذلك الوقت لكن أداؤها كان فظيعا، و Microsoft قد بدا للتو بالظهور من جعبة بيل غيتس، بينما Google وجد فقط لإغراض الخيال العلمي. وبمعنى آخر ما هو بديهيا اليوم من الثورة في المعلوماتِ وتقنيات الاتصالات، كان من المستحيل تصوره في 1983 ، ومن ما يجدر بنا قوله أن تلك الثورة قد بدأت بالفعل في ذلك الوقت لكن نتائجها كانت قلقة وغير واضحة، لكننا نستطيع القول أن تقدما علميا قد حدث منذ عام 1983 مثل إكمال مشروع الموروث الجيني، والتقنيات الصغيرة وكذلك علم الإنسان الآلي الذي بدى أيضا كمصدر آخر للخيال العلمي.
حينما نفكر بمسيرة العالم، نمتلك أسبابا للاعتقاد أن 25 سنة القادمة، ستأتي بتغييرات مثيرة، ومعرقلة كالتي حدثت في ربع القرن الماضي، والحقيقة أن سرعة التغيير التقني والعلمي في تزايد مستمر، وسيحدث ذلك التغيير في مجالات: الطاقة، الإستراتيجية السياسية، والمالية والعملياتية، والتقنية.
وبينما يكون بَعْض هذه التغييرِات منظوراُ وحتى متوقعا، إلا أن على القوة المشتركة أن تأخذ في خططها للمستقل حسابا للمفاجآت.
التفاعل بين الاستمرارية والعراقيلِ سيتطلب من القوة المشتركة أن ترى ما الذي تغير وما الذي يحتمل التغيير، وحينها على القوة أن تمتلك القابلية على التكيف لتلك التغييرات بينما تدرك قيمة المبادئ الأساسية، ذلك فقط ينتج من عقلية تهتم بالناحية التاريخية وتستطيع أن تنهض بالمواضيع الصائبة
التخمينات الإستراتيجية في القرن العشرين
1900 * إذا كنت محللا استراتيجيا لقوة قيادة العالم فعليك أن تكون بريطانيا، تنظر بحذر إلى عدو بريطانيا القديم، فرنسا.
1910* سترغب بالتحالف ألان مع فرنسا، لكن العدو سيكون ألان ألمانيا.
1920* ربحت بريطانيا الحرب العالمية الأولى، لكن البريطانيون وجدوا أنفسهم مشغولين بسباق بحري مع حلفائهم الدائمين، الولايات المتحدة واليابان.
1930* طبقت المعاهدة للحد من التسلح البحري البريطاني، وبدأت فترة الكساد الكبير، وخطط الدفاع للسنوات الخمس القادمة، افترضت هدنة الـ "عشر سنوات" قاعدة- لا حرب لمدة عشر سنوات. وافترض المخططون البريطانيون أن التهديد الأكبر موجه إلى الإمبراطورية من السوفييت واليابان، بينما مازالت ايطاليا وألمانيا أما صديقة أو لا تشكل أي تهديد.
1936* المخطط البريطاني يفترض ألان ثلاث تهديدات كبيرة، ايطاليا واليابان، لكن السوء هو ألمانيا الجديدة، بينما القليل من المساعدة يمكن أن تتوقع من الولايات المتحدة.
1940* انهيار فرنسا في حزيران، ترك بريطانيا وحيدة في حرب يائسة مع ايطاليا وألمانيا مع تهديد ياباني يلوح في المحيط الهادي، وكانت الولايات المتحدة في حينها قد بدأت للتو ببذل الجهود لإعادة تسليح قواتها العسكرية.
1950* كانت الولايات المتحدة أعظم قوة في العالم، وبزغ أيضا عصر الذري، وبدأت " اجرات الضبط" في حزيران في كوريا، لقتل أكثر من 36.500 أمريكي، و58.000 من كوريا الجنوبية، 3.000 تقريبا من جنود التحالف، 215.000 من كوريا الشمالية، 400.000 من الصين، و2.000.000 من المدنيين الكوريين، قبل وقف إطلاق النار ووضع حد للقتال في 1953، وسيكون المعارض الرئيسي في الصراع ، الصين، حليفة أمريكا في الحرب ضد اليابان.
1960* كان السياسيون في الولايات المتحدة يركزون انتباههم على الصواريخ التي لم تكن موجودة؛ الانتقام الهائل يفسح المجال أمام الرد المرن قريبا، بينما التمرد البسط في جنوب فيتنام بالكاد يثير انتباه الامركيين.
1970* بدأت الولايات المتحدة بسحب قواتها من فيتنام، وكانت قواته العسكرية في فوضى عارمة. سحق الاتحاد السوفيتي للتو تمردا أوليا في حلف وارسو. بدا السلام بين السوفييت والأمريكيين، بينما تنتظر الصين على الجانب الآخر، تحالفا غير معلن مع الأمريكيين.
1980* قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان، بينما أسقطت ثورة ثيوقراطية نظام الشاه في إيران، "صحراء 1" عملية تحرير الرهائن الأمريكيين في إيران والتي انتهت بفشل مذل، والتي أشار إليها المثقفون باسم " القوة الجوفاء". أصبحت أمريكا البلد الدائن الذي لم يشهد العالم مثله.
1990* انهيار الاتحاد السوفيتي، تمزق القوة الجوفاء، كما يتبجح العراق، الجيش العراقي بأقل من 100 ساعة. الولايات المتحدة أصبحت أعظم امة مدينة في العالم . لا احد خارج وزارة الدفاع قد سمع بالانترنت.
2000* وارسو عاصمة منظمة حلف الشمال الأطلسي، دولة الـ (ناتو). بدا الإرهاب يهدد أمريكا بشكل عظيم، والتقدم الكبير بأكثر مما كان متوقع في، تقنية المواد الحية، وعلم الإنسان الآلي، والتكنولوجيا الصغيرة، طاقة HD ..الخ.
2010* خذ ما تقدم أعلاه وخطط وفقا له، ما هي العراقيل التي ستكون خلال 25 سنة القادمة؟
ج- تحديات العراقيل
قد تقترح الميول أو النزعات، الاحتمالات والاتجاهات الكامنة، لكنها لا يمكن أن تقدم فهما موثوقا به عن المستقبل، لأنها تتفاعل وتتأثر بعوامل أخرى. فالسقوط الذي حول Wall Street بعد انهيار عام 1929، ابقي على الكساد الاقتصادي ، و مرور تعريفات Smoot-Hawley المالية حطم التجارة العالمية مع الدول الأخرى، وحول الكساد الاقتصادي إلى مأساة عالمية.
وفي النظر إلى المستقبل، يجب علينا أن لا نتجاهل القدرة الفردية لبعض الأشخاص، لتقرير سير الإحداث. وقد يتوقع احد ما بشكل جيد، أن البشر يتصرفون وفق أنماط متشابهة، لكن تبقى مسالة متى وكيف، هي المسالة الغير خاضعة للتوقعات أو التنبؤ. ويبقى احتمال الصعود المستقبلي لـ ستالين و هتلر ولنين، كبير جدا، ولكن لا يمكن التنبؤ به أيضا، والسياق الذي يوصلهم إلى القمة غير منظور أيضا.
هشاشة التاريخ...والمستقبل
تبدو أنماط وسياقات الماضي بسيطة نسبيا، وواضحة لأولئك الذين يعيشون في الحاضر، لكن السبب يكمن فقط في أن الطرق والأحداث التي جرت، لم تؤخذ بعين الاعتبار.ولا شيء يجعل ذلك أوضح، من الأقدار التي حدثت لثلاث أشخاص في السنوات الـ30 الأولى من القرن العشرين: اودولف هتلر المسجل في الفوج الاحتياطي البوفاري " القائمة" في الاوئل من آب 1914 ، لاحقا وبعد شهرين، القي هو و 35.000من المجندين الغير مدربين لمواجه جنود محاربين من القوات البريطانية المخضرمة، وفقد فوج " القائمة" في يوم واحد من القتال، الثلث من رجاله. وعند انتهاء معركة Langemark كان يعاني الجيش الألماني من الإصابات بنسبة 80% تقريبا، ولم يعاني هتلر من أية إصابة.
وبعد 17 سنة، أثناء زيارة ونستون تشرشل لنيويورك، خرج عن السيطرة و تخطى النظر بالاتجاه الصحيح، وكان مجروحا بشكل جدي.
وبعد سنتين وبالتحديد في شباط عام 1933 كان روزفلت هدفا لمحاولة اغتيال، لكن الرصاصة التي وجهت له ، أصابت رئيس بلدية شيكاغو واردته قتيلا.
هل يمكن لأحد أن يشك بان احد من هؤلاء الثلاثة قد قتل، وهل يشك احد ما أن تاريخ القرن العشرين أتى بفصل مختلف تماما من ألأحداث؟
أن تفاعلات في الأساليب الاقتصادية و تنوع الثقافات، والتجارب التاريخية، وخصوصية القادة، من بين مجموعة كبيرة من العناصر، تضفي بعض التعقيدات على تلك التفاعلات، وتجعل من التنبؤ عملية مستحيلة.
كان ونستون تشرشل أفضل من قبض على تلك التعقيدات، بتاريخه البارع في الحرب العالمية الأولى:
"برز احد الأسباب التي ذكرت في الدراسة حول أسباب الحرب الكبرى، مع الإحساس السائد بمحاولة السيطرة الفردية المعيوبة على ثروات العالم، وقيل بشكل واضح " هناك أخطاء دائما أكثر ،ً مِنْ المقصودِ، في الشؤونِ الإنسانيةِ. والعقل المحدود للرجال القادرين، والتنازع على السلطة، المناخ الذي يعيشون فيه لتشكيل الرأي، ومساهماتهم البسيطة والعابرة في المشاكل الكبيرة، هي مشكلة بحد ذاتها، لكنه بعيدة عن رؤياهم ، لذا عليهم أن يأخذوا كل ذلك بنظر الاعتبار."10.
لذا فان الفردية، والعبقرية و خصواها، وعجزها، كلها عناصر رئيسية في تشكيل العراقيل.
ولعل أسوء رئيس في تاريخ الولايات المتحدة هو Buchanan James الذي تلي أبراهام لنكولن، كان Buchanan James يبقى الأفراد سجناء في إطار مصدرهم الثقافي والتاريخي، والذي من شانه أن يعيق القدرة على الفهم، أكثر بكثير من المتوقع، وحتى انه يعرقل أداء القادة.
لكننا لا يجب أن نسمح لذلك أن يعيقنا عن كسب إمكانية فهم التأثير التاريخي العميق للجهد السياسي والعسكري على المستوى الاستراتيجي والعملياتي والتكتيكي.
وبشكل واضح، لا تتشكل جميع العراقيل من خلال القيادة الفردية، فالأحداث العظيمة التي تشمل : الاشتراك في الإطاحة بالأنظمة، انهيار النظام الاقتصادي، والكوارث الطبيعية، والنزاعات الكبيرة التي تندلع بين الدول وتستحوذ على مجرى التاريخ وتشق قنوات تأخذ اتجاهات جديدة غير متوقعة.
وعدا كوننا متأكدون أنها ستحدث ثانية، هي أحداث فريدة ولا نستطيع التنبؤ بها، وبالتالي سيغير ذلك المستقبل إلى اتجاهات جديدة غير متوقعة، وهنا فان الإستراتيجية الوحيدة التي من شانها أن تقلل من اثر المفاجأة، هي معرفة الماضي، وفهم الحاضر، وموازنة القوة القادرة على التكيف.
ذ- الإستراتيجية العظيمة
كما في الهيكل العلوي للبناية الجميلة، تكون فاسدة ومخربة بشكل جذري إذا كانت أسسها غير آمنة- كذلك الحال بالنسبة إلى الإستراتيجية لو كانت خاطئة، تؤدي بكل الأحوال إلى فشل تأثير المهارة العامة في ساحة المعركة، وشجاعة الجندي، وتألق النصر، بشكل حاسم.11 Mahan
لن يصنع قادة القوة المشتركة المستقبليين، إستراتيجية عظيمة، لكنهم يجب أن يفهموا بشكل كامل النهايات التي يريدون انجازها، وسيلعبون دورا أساسيا في اقتراح كيفية استعمال القوة المشتركة والوسائل الضرورية لاستعمال الفعال للقوات المشتركة، في حماية مصالح الولايات المتحدة.لذا فعلى محترفيهم كقادة عسكريين أن يقدموا النصائح الجوهرية في اختيار الردود الفعالة على التحديات الإستراتيجية.
في القرن العشرين أثبتت العلاقة بين الرؤيا السياسية في الولايات المتحدة، والقادة العسكريين مسؤوليتها عن تنفيذ سياسة، حسمت النصر في الحربين العالميتين والحرب الباردة. ورغم ذلك فإن الحوار والمحادثات بين هؤلاء المسوؤلين عن وضع الإستراتيجية الكبيرة والمسوؤلين عن اختيار العمليات العسكرية، يشوبه التوتر دائما بسبب اختلاف منظورهم عن العالم.
في النهاية يجب على قادة القوة المشتركة في المستقبل، فهم النهايات الإستراتيجية، لتقديم توصياتهم حول متطلبات انجاز تلك النهاية، وعلى صناع السياسة أن يكونوا واضحين بالنسبة إلى : القوى، التحديدات، والكلف المحتملة، وتوظيف القوات العسكرية. حيث تقود العلاقة بين النهايات والوسائل، منطق العمليات المشتركة.
أن النصيحة العسكرية الواضحة والغير مقيدة التي يقدمها القادة العسكريون إلى صناع السياسة وحدها كفيلة بتزويد الفهم الذي يتطلبه التوظيف الفعال للقوة المشتركة.
الهامش
1. Sun Tzu, The Art of War, trans. and ed. by Samuel B. Griffith (Oxford,
1963), p. 63
2. Thucydides, The History of the Peloponnesian War, trans. by Rex Warner
(London: Penguin Books, 1954), p. 48
3. Quoted in Colin Gray, Another Bloody Century, (London: Penguin Books, 2005), p. 40.
4. Thucydides, History of the Peloponnesian War, trans. by Rex Warner (London: Penguin Books, 1954) p. 80.
5. Carl von Clausewitz, On War, translated and edited by Michael Howard
and Peter Paret (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1976), p. 87
. 6. Carl von Clausewitz, On War, translated and edited by Michael Howard
and Peter Paret (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1976), p. 113.
7. Barry D. Watts, Clausewitzian Friction and Future War (Washington,
DC: Institute for National Strategic Studies, 1992), pp. 122-123.
8. Carl von Clausewitz, On War, translated and edited by Michael Howard
and Peter Paret (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1976) p. 77.
9. Sun Tzu, Art of War, translation by Samuel B. Griffth (Oxford
University), p.84
10. Winston S. Churchill, The World Crisis (Toronto: MacMillan, 1931), p. 6.
11. Robert Heinl, Dictionary of Military and Naval Quotations (U.S. Naval
Institute Press, 1976), p. 311.
ترجمة : دار بابل للدراسات والإعلام 2010-02-07
|