الرئيســـــــية اتصــــــــل بنا عن دار بابل البريد الالكتروني  
 
 
 
ترجمــــة أخبــــار خاصـــــة قضــــايا عــراقيــــة مختـــــارات ملــفــات خاصــــة قــضـــية الاســـــبوع الاخبــــــار
   تضارب في المعلومات حول مشروع «سور بغداد الأمني» ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: حتى في إعادة الإعمار.. يخفقون ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: وفد تجاري إسرائيلي برئاسة عوفر للاستثمار في كردستان العراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: أوديرنو: دخلنا العراق دون أن نفهمه وكنا سذجا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: باحث اميركي : واشنطن ستفرض حكومة تضمن تحكمها بالثروة النفطية للعراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: انتشار الفقر في العراق يهدد مستقبله ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: قصف صاروخي يستهدف السفارة الأميركية في بغداد ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: تعبئة قصوى واستنفار ... واستعداد لأسبوع «دموي» ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: صنـاعـــة «الأمـــن» و«خصخصة» الحرب على العراق ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: شبح الموت يخيم على بغداد مجدداً وسط اضطراب سياسي :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::  
 
دراسات وبحوث  

محددات السياسة الخارجية العربية تجاه العراق بعد عام 2003 .. دراسة نموذجي المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية



البيئة الإقليمية بعد العام 2003 وأثرها في العلاقة العربية تجاه العراق
أولاً: عدم مراعاة مصالح ومخاوف حلفاء أمريكا بالمنطقة
إن أول النقاط التي يجب أن تسترعي الاهتمام هو التغير الذي طال السلوك السياسي الأمريكي تجاه العالم العربي بعد العام 2001 وتحديداً في علاقته مع حلفائه في المنطقة؛ لقد اتضح خلال السنوات الأخيرة الماضية وتحديداً مع بداية العام 2008 واقتراب نهاية فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن حيث تبلورت فكرة مفادها أن الولايات المتحدة في ظل سعيها لتنفيذ مشروعها للشرق الاوسط الكبير، وخصوصاً بما قامت به في العراق، أخذت تبتعد كثيراً عن احترام وجهة نظر حلفائها ومصالحها في المنطقة، بل وصلت في تجاهلها حداً تجاوزت فيه مخاوفهم الأساسية وخصوصاً تلك المتعلقة بالخطر أو المد الإيراني، التي تشير الدلائل إنها سمحت له بالنمو بصورة مثيرة للاستغراب، وصلت لدى البعض حد الاقتناع بوجود تنسيق أمريكي إيراني.
ثانياً: الوضع العربي الحالي جزء من مشروع الشرق الاوسط الكبير
في ظل الوضع العربي الحالي الذي أقل ما يمكن وصف أقطاره بأنهم في وضع لا يحسد عليه، كان من السهل أن يتعرض لتغييرات جوهرية طالت أبسط قواعد الأعراف والطموحات والآمال العربية؛ بحيث ما أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى انكشف مدى الضعف الذي يمر فيه النظام الإقليمي العربي، و أصبحت المنطقة العربية عموماً مهيأة لسلسة من التغييرات، بدأت في العراق ووصلت إلى سوريا ولبنان، ولا يبدو إنها ستقف إلى حد ما؛ إذ تنظر الإدارة الأميركية إلى المنطقة العربية نظرة أبعد بكثير من العراق، نظرة متوافقة مع المشروع الذي روج له صقور الإدارة، وأطلقوا عليه مشروع إعادة رسم خريطة الطريق انطلاقاً من الحرب على العراق. وهذا المشروع يتصور بموجبه واضعو مخطط الحرب على العراق أن هذا البلد سيكون نقطة انطلاق لتحقيقه، خاصة بعد إعادة إعماره بحيث يكون نموذجاً (يحتذي ومصدر إشعاع قوي، يؤدي إلى حدوث تغييرات جوهرية في النظم السياسية للدول المجاورة وغيرها في العالم العربي) ، بلد يقوم على الديمقراطية والاقتصاد الحر والتنمية.
عند الانطلاق من هذه النقطة يمكن تفسير عدد من التغييرات التي يمر بها العالم العربي، وترسم صورة لشكل التداعيات الأمريكية على المنطقة والأردن والسعودية على وجه الخصوص؛ فمنذ الأيام الأولى للاحتلال أشترك كل من الأردن والسعودية والولايات المتحدة على إيجاد عراق موحد مستقر حر لا يهدد جيرانه ولا يكون مرتعاً للجماعات "الإرهابية". لكن الأردن والسعودية غير مطمئنان لوجود "ديمقراطية" شيعية على حدودهما الشرقية؛ بحيث ترسل لهما أكثر من رسالة، من ضمنها على صعيد الضغوط الأمريكية تلك المتعلقة بالإصلاح السياسي (في السعودية) وربط المساعدات المقدمة له (الاردن) مع التطور الحاصل على هذا الصعيد. في نفس الوقت تستشعر هاتين الدولتين بخطر النفوذ الإيراني المتنامي داخل العراق، وسيطرتها على أحزاب وهيئات سياسية فاعلة في العراق، مما يجعلها تتجه نحو استخدام علاقتها مع الولايات المتحدة لإقناعها بضرورة استشعار خطر الحكومة الشيعية ووقفه أو الانقلاب عليه.
ثالثاً: زيادة عدد اللاعبين في الساحة العراقية وأثره على الأمن العربي
النقطة الثالثة التي يجدر الاهتمام بها هو أن احتلال العراق ثم البناء السياسي الذي أعقب الاحتلال كان له عظيم الأثر في الزلزال الذي طال منظومة العلاقات العربية العربية (على سبيل المثال علاقة سوريه وقطر مع دول الاعتدال) من جهة، والعلاقات العربية مع العراق من جهة أخرى؛ حيث مهد هذا الاحتلال لبروز عدد جديد من اللاعبين على الساحة العراقية في ظل انكفاء الدور العربي؛ إذ كان العام الأول من الاحتلال عاماً أمريكياً بامتياز؛ دولة متفردة استطاعت احتلال البلاد دون أي خسارة تذكر بحيث أصبح العراق طوع سياستها، لكن سرعان ما فقدت هذا الامتياز مع بروز طرف جديد يزاحم اللاعب الأساس في العام الثاني، مستفيداً من الأخطاء التي وقعت بها الإدارة؛ بحيث استطاعت إيران باقتدار بناء مصالحها الخاصة في العراق على أنقاض الأخطاء التي ارتكبتها (الإدارة الأمريكية)؛ كل ذلك مهد الطريق لإيران لبناء منظومة مصالح أو نفوذ في العراق سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال أتباعها من القوى العراقية أو بوجودها الفعلي؛ إذ تشير المصادر إلى أن إيران قبل غزو العراق حاولت ارسال رسائل متعددة عبر طرف أوروبي للولايات المتحدة بعد أن تأكد لها نية الأخيرة غزو العراق، طلبت منها تنسيق مصالحها في العراق باعتبار أن الأخيرة تقع في صميم أمنها ومصالحها القومية الأمر الذي يدفعها إلى ضرورة التحدث مع واشنطن للاعتراف بهذه المصالح من جهة، بل و ضمان عدم تعرضها لهذه المصالح من جهة أخرى، لكن رفض الولايات المتحدة حتى الحديث بالموضوع جعلها تخسر كثيراً؛ حيث بدأت ترسل الرسائل سواء عبر ممثلها السفير السابق "كريكار" وقبله السفير "خليل زاد" أو عبر بعض الفرقاء المشتركين لإقناع إيران بالجلوس معها لوضع حد للملف الأمني المتفجر، ومساعدتها للخروج من "المستنقع العراقي"، وهو ما لا ترفضه إيران تماماً لكن بشروط. وبالفعل أسفرت هذه الرسائل عن بدأ مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في العراق.
في العام الثالث بدء المشروع السياسي يجد له أنصار ومريدين، فأمسى أطراف اللعبة السياسية معتمدين على المبدأ الذي قامت عليه هذه العملية وهو "المحاصصة الطائفية"، يمدون بجذور مشروعهم الطائفي إلى الأرض؛ بحيث لم يعد أمر إغفال التعامل معهم في أي عملية تسوية للوضع السياسي والأمني أمراً ممكناً؛ وفي خط مواز اشتد عود التنظيمات المسلحة بمختلف انتماءاتها سواء المقاومة أو المليشيا بحيث أمسوا كذلك قوة ورقم لا يمكن إغفاله في أي تسوية للوضع في العراق، وهو ما اعترفت به الإدارة الأمريكية أكثر من مرة وعبر الجلوس مع قادة هذه التنظيمات المسلحة.
وفي السنة الرابعة للاحتلال بدأنا نشهد إطرافا أخرى تحاول بناء نفوذ لها داخل العراق، أو تطل برأسها على الساحة العراقية في محاولة لوضع خطوط ومحددات يجدر بأي طرف يهمه مستقبل العراق اخذ أرائهم أو بالأحرى الأخذ بنظر الاعتبار مصالحهم؛ فبدأنا نشهد بدايات الدخول للدور التركي الذي فرض أجندته على الساحة العراقية بقوة تمثل مؤخراً بالتدخل العسكري للجيش التركي في شمال العراق فارضاً أجندته السياسية على جميع اللاعبين السابقين. وألان نحن على أعتاب العام السادس للاحتلال في ظل ابتعاد عربي واضح عن المشهد العراقي بصورة شبه تامة؛ ففي ظل انعدام رؤية واضحة لمستقبل العراق من جهة وسعي حثيث للاعبين الآخرين في المشهد العراقي لإقصاء أي وجود جديد على الساحة العراقية وتحديدا العربي من جهة أخرى، بقى المشهد العراقي خالياً من الدور العربي.
في ظل هذه البيئة تم رسم العلاقة بين بعض الدول العربية والعراق في العموم والأردن والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص؛ حيث ظهرت السياسة العربية لهذه البلدان تجاه العراق تدور في سياق هذه التوجهات.
أولاً: السياسة الأردنية تجاه العراق بعد العام 2003
شكلت المصالح المتبادلة بين البلدين أساس العلاقة بينهما خلال العقدين الماضيين؛ بحيث تمتع العراق بمركز الظهير القوي للسياسة والاقتصاد الأردنيين، إضافة إلى أن العراق هو البلد الذي يمثل العمق الاستراتيجي للأردن عندما تحيط به المخاطر، وفي ذات الوقت كان الأردن بوابة العراق للعالم الخارجي بعد أن بات متعذرا على العراق استخدام موانئه البحرية خلال العقدين الماضيين ما دفع البلدين بقوة باتجاه بعضهما. وتعمقت العلاقة بعد أحداث عام 1990 وبدأ العقوبات الدولية على العراق؛ إذ مع الزمن أصبحت عمان الموضع الاقتصادي الأول والرئيس للعراق بعد بغداد ذاتها؛ لقد حققت الأردن منافع اقتصادية كبيرة جدا بسبب مواقفها السياسية المؤيدة للعراق، ويكفي للتذكير فقط كميات النفط الكبيرة التي كانت تحصل عليها المملكة مجانا من العراق ولسنوات طويلة جدا والتي توقفت مع سقوط بغداد بيد القوات الأمريكية، والتي حكومتها على علاقة وثيقة بالحكومة الأردنية. في المقابل أيضا دفعت الأردن ثمن سياسي مهم بسبب حرصها على أبقاء العلاقة جيدة مع العراق.
في ظل هذه المصلحة المتبادلة تشكلت العلاقة الأردنية العراقية واستطاعت الاستمرار طوال هذه السنين. لكن كان كل من العراق والأردن على موعد جديد مع التاريخ؛ بحيث قلبت الصفحة بينهما تماماً مع تغير أطراف المعادلة العراقية، ووجود أطراف خارجية تطمح إلى بناء جديد في العراق، حتى لو اقتضى الأمر قلب صفحة التاريخ في العلاقات العراقية مع العالم العربي، والأردن تحديداً.
أحزاب عراقية ذات توجهات دينية "شيعية" ناقمة على دور العرب والأردن في التعامل مع نظام البعث السابق. أصبح لها دور أساس ومهم في تشكيل المعادلة الداخلية العراقية ودور أكثر أهمية في رسم سياسة العراق مع أشقائه العرب. وسبق هؤلاء تنامي دور إيران ذات الطموحات التاريخية في العراق والمنطقة، التي ما فتئت تخرج بين الفينة والأخرى بتصريحات تؤكد على حقوق إيران التاريخية في العراق، يجدر بالأطراف الأخرى (ومن ضمنهم الأردن) التعامل معها كمحدد أساس في العلاقة. هذه التوجهات الجديدة للقيادة العراقية الجديدة أثارت مخاوف الأردن وقيادته. وتنامي الخوف أكثر عندما تجاهلت الإدارة الأمريكية مخاوف حلفائها أو شركائها في المنطقة ورفضها الاستجابة إلى نصائح قدمت لها من جانبهم، مثل تأجيل الانتخابات التي أجريت في يناير 2005 بمقاطعة واسعة من العرب السنة لمدة ست أشهر، ثم رفض الأخذ بنصائحهم في عدم الاستعجال بإقرار الدستور في ظل استمرار مقاطعة أطراف عراقية كبيرة. ساهمت هذه المواقف بإعلان العاهل الأردني عن مخاوفه وتحذيراته التي صرح بها بإمكانية قيام هلال شيعي بزعامة إيران في المنطقة؛ وقد جوبهت بحملة معادية قادتها طهران وأنصارها في العراق وهي حملة استندت على إثارة مشاعر المواطن العراقي الشيعي والسعي لإقناعه بان العواصم العربية ما هي إلا عواصم سنية تعمل على حرمانه من حقه في إدارة بلاده.
في ظل انعدام تجاوب الولايات المتحدة للمخاوف الأردنية ورفضها التعامل مع النصائح، وصل الشيعة في العراق إلى الحكم، وبدت إيران أكثر نفوذاً عن ذي قبل، حينها شهدت العلاقات بين العراق وعدد من الدول العربية تدهوراً سريعاً.
غلب الطابع الأمني على مجمل العلاقة بين البدين إلى وقت قريب عندما تجاوز الاردن هذا الوضع بتغليب الاعتبارات الاقتصادية على اي اعتبار أخر مع بداية العام 2009؛ فالأردن أخذ يخشى من الانفلات الأمني في العراق الذي اتخذ شكلاً وجدت فيه بعض المنظمات الإرهابية كالقاعدة مرتعاً أمناً لنشاطاتهم. وعليه كان لا بد من الخروج من عنق الزجاجة المتمثلة بمحدودية الإمكانيات للعب دور أكبر في الشأن العراقي. لكنه في سبيل تجاوز هذه المعضلة كان عليه الدخول في لعبة توازنات بين مختلف الملفات التي تعنيه، والمقايضة بينها في سبيل تأمين كيانه الوطني ومصالحه الاقتصادية والسياسية؛ لذلك فهو اتخذ إستراتيجية خلط الأوراق (الملفات) في المنطقة وفي هذا الإطار اتخذ الآليات التالية لتجاوز معضلة الإمكانيات المحدودة:
1. أهم هذه الآليات الاستمرار في دعم حليفه الإستراتيجي واللاعب الأساس في المنطقة بالعموم والعراق بالخصوص أي الولايات المتحدة، حتى لو شكل هذا الأمر ضغوطاً عليها تتجاوز الحد المقبول على صعيد التوازنات بين القوى الوطنية، والمعارضة داخل الأردن، ومكونات المجتمع الأردني، وبين مصالحها القومية ودورها العربي.
2. المغامرة باستخدام الصورة التي ظهر بها لدى المجتمع الدولي كونه بلد يتمتع بمصداقية عالية؛ بحيث أخذ يراهن على هذه السمعة التي حظي بها نتيجة إسهامات قيادته، وذلك لأجل ضمان مصالحه داخل العراق.
3. الدور الأمني المتنامي والذي تجلى بوضوح بإعلان أكثر من مسؤول أردني حول نشاط مخابراتي أردني داخل العراق؛ ضمن رؤية ترى بان امن العاصمة عمان يبدأ من بغداد. وحتى ان مصالحه الاقتصادية المتمثلة بتطبيق مذكرة التفاهم النفطي بين البلدين وحتى تأمين الخط البري (عمان- بغداد) أصبح جزء من اهتمامات الأردن ومن هنا كان الاهتمام بتدريب قوات الشرطة العراقية أو التدخل باتخاذ موقف ايجابي من دعم مجالس الصحوة.
4. تعميق العلاقات مع مختلف الأطراف العراقية، خصوصاً تلك التي تشترك مع الأردن بذات المخاوف، ومن أهمها الأطراف السنية؛ أي خلق علاقة مصالح عضوية لا يمكن لأحد الأطراف فك عراها دون شعوره بجسامة الخسارة وراء فك الارتباط معها. هذا الدور هو ايضا ما تحاول الحكومة الاردنية مد جسور العلاقة مع الأطراف الشيعية الجديدة في الحكم.
ثانياً: السياسة السعودية تجاه العراق بعد العام 2003
إن الشكل العام الذي حكم العلاقات العراقية السعودية طوال العقود الماضية، يتمثل بانعدام الثقة بين الجانبين من جهة، والمخاوف المشتركة بين الجانبين من جهة أخرى. وهي أشكال لا تستقيم مع طبيعة العلاقات في مجتمع الدول الذي من المفترض أن يكون أساسه قائم على الثقة المتبادلة والمصالح (أيا كان إطارها) المشتركة، ناهيك عندما يكون الأمر مرتبط بدول تشترك بحدود واحدة؛ حيث تكون هذه المحددات الجغرافية أساس العلاقة.
تكمن مخاوف الطرفين المشتركة (السعودية والعراق) باتجاهين، المخاوف الداخلية (بروز دور للشيعة سواء داخل العراق أو السعودية)، والمخاوف الخارجية (بروز دور قيادي لإيران في المنطقة على حساب ميزان القوى في المنطقة والسعودية على وجه الخصوص). ويضاف إلى ذلك التنافس بينهما على كسب ود اللاعب الأساس في المنطقة أي الولايات المتحدة لمواجهة هذه المخاوف أو الأدوار المحتملة، بل والتنافس على إقناعها بحقيقة أن هذه الأدوار في المحصلة هي تهديد لمصالحها (الولايات المتحدة) من جهة، ومن جهة أخرى تأمين الدعم لأحدهما للعب دور قيادي في المنطقة للتأكيد على عدم بروز دور للشيعة في المنطقة أو دور إيراني فيها.
إن الدارس للعلاقة بين البلدين في (السعودية والعراق) في المرحلة التي سبقت وأعقبت الثورة الايرانية، يجد المتابع أن الخشية من المد الشيعي والرغبة في لعب دور إقليمي في المنطقة(السنية) بقى هاجساً ارق العلاقة بينهما من جهة، ومحدداً لطبيعة وشكل العلاقة بينهما بل ومعياراً لتطورها في المستقبل من جهة أخرى.
لقد طبع هذا التوجه سياسات الحكومة السعودية في تعاملها مع الأقلية الشيعية في البلاد إلى وقتنا الحاضر، وتفاقم الوضع مع بروز دولة شيعية في شمال حدود المملكة؛
إن أقصى ما تخشاه المملكة من المد الشيعي هو الولاء الديني الطائفي على أي ولاء آخر لدى شيعة السعودية، أي ذهاب شيعة السعودية إلى تأييد ودعم وإتباع مرجعياتهم الدينية خارج الوطن السعودي بعيداً عن الولاء لسلطاته الشرعية الأمر الذي أفرز حالتين على المستوى الداخلي والخارجي:
1. فعلى المستوى الداخلي، استمرت سياسة الإقصاء ضد الشيعة من المناصب القيادية في البلاد خشية أن يكونوا طابورًا خامسًا يهدد بنية المجتمع وصيرورته.
2. وعلى المستوى الخارجي، تمثلت بردة فعل سلبية تجاه الحالة السابقة بحيث تولدت قناعة لدى الشيعة في السعودية للانصراف أكثر إلى دعم المشروع الشيعي الذي بدأ يتبلور في العراق على اعتبار أن هذا الأمر قد يدفع المسؤولين بالسعودية لفتح المجال أكثر لهم في الحياة العامة وهي فرصة لإعادة الشيعة إلى الحياة العامة والسياسية داخل المملكة؛

وهذا يدلل على انتقال حالة العلاقة بين الدولتين منحى خطيرا جداً له تداعيات مختلفة، أهمها لجوء أطراف عراقية إلى نقل الصراع من الساحة العراقية إلى الدول المجاورة المتورطة من خلال مواطنيها أو هي تحديداً في حوادث عنف في العراق؛ في إطار آخر ستجد العربية السعودية بعد أيام من اندلاع الحرب الأهلية نفسها متورطة في العراق وستلزمها الأوضاع إلى اتخاذ دور أكثر فاعلية وربما معلن نحو الانخراط في العراق.
وقد جاءت تصريحات المستشار الأمني في الحكومة السعودية مؤخراً السيد "نواف عبيد"، وعلى الرغم مما أثير من لغط حول الموضوع، ونفي الحكومة السعودية، واستنكارها لتصريحاته، ثم إقالته من منصبه فيما بعد، تؤشر هذه التصريحات إلى بداية الشعور بالخطر لدى الحكومة السعودية من تداعيات الحرب الأهلية في العراق على السعودية، داعياً الأخيرة إلى ضرورة الانخراط في الحرب لأن نتائج عدم الانخراط ستكون مأساوية على السعودية في المستقبل مع استمرار تسليم الولايات المتحدة العراق للإيرانيين على حد قول وزير خارجية السعودية. فسيطرة إيران على العراق تثير قلق السعوديين، خصوصاً مع توقيع الاتفاقية العسكرية بين إيران والعراق في 7/7/2005؛
• وعليه بعد هذا العرض يمكن ان نحدد بعض المحددات في العلاقة العربية (السعودية وإيران) مع العراق على النحو التالي:
1- التنسيق بين الدول العربية ليكون الأردن بمثابة المحرك الأساس أو الواجهة المعبرة عن رغبات مجتمع الدول العربية، خصوصاً تلك التي دخلت في حلف غير رسمي بينها. وتدرك هذه الدول أنها لن تستطيع أو إنها لا تريد الظهور في واجهة الأحداث لاعتبارات مختلفة –لا مجال لذكرها هنا- ، وعليه يكون دور الأردن الممثل أساس لهذا التنسيق العربي تجاه التعامل مع العراق. بالإضافة إلى حاجة الأردن إلى تنسيق هذه المواقف فهو يسعى كذلك إلى أن يضمن لنفسه داعم مستمر لا يدير الظهر له عندما تتغير السياسات في المنطقة كما حدث معه نتيجة موقفه من غزو العراق للكويت في العام 1990 ومقاطعة دول الخليج والولايات المتحدة له؛ لذلك سيكون الأردن حريص على إيجاد الضمانات والتأكيدات بدعم ومساندته اقتصادياً وسياسياً إزاء تطورات الأحداث في العراق.
2- الولايات المتحدة لم تعد بعد احتلالها للعراق مجرد دولة تفصلها عن المنطقة العربيه آلاف الكيلومترات البحرية، بل أصبحت جارة جديدة في المنطقة،
3- لعل احد ابرز المحددات التي ربطت علاقات كل من الأردن والسعودية تجاه العراق تلك المتعلقة بالتزام هذه الأطراف الثلاثة بالتوجهات والنظرة الأمريكية تجاه الحرب على الإرهاب؛ إن الدارس لجميع هذه التشريعات والقوانين سواء منذ قانون ادارة الدولة العراقية مرورا بأوامر سلطة الائتلاف المائة وصولاً للدستور ثم تشريعات مجلس النواب تؤكد جميعا بأن البناء السياسي الذي نشأ في العراق إنما يقع في أطار رؤية العراق الجديد الذي يعتبر بحسب الرؤية الأمريكية كونه جبه متقدمة لمواجهة الإرهاب الدولي لا كونه دولة تحتاج إلى إعادة بناء من جديد وتحتاج إلى تفعيل مبدأ الديمقراطية وحقوق الانسان ونشر مفاهيم الحرية وثقافة الرأي الأخر، حتى أن عملية البناء الفعلية للجيش وقوات الشرطة أو حتى في القضايا المتعلقة بتحديث هذه القوات إنما تأتي ضمن هذه الرؤية بل تأتي أغلب التجهيزات العسكرية تذهب لخدمة هذا الهدف؛
استنتاجات:
نعتقد إن أهم ما يمكن أن نختم به هذه الورقة بتوجيه النقاط التالية في سبيل معالجة علاقة الدول العربية مع العراق ضمن رؤية تعيد العراق إلى محيطه وهويته العربية أو على الأقل تفعيل هذه العلاقة بما يخدم مصالحهم المشتركة:
1- ضرورة الاهتمام الاعلامي العربي لتصحيح المواقف السابقة التي كانت لها العامل الأساس في تعميق الشرخ والفجوة بين العالم العربي والعراق وخصوصا تلك المتعلقة بالنظرة باتجاه الشيعة العرب وتحديد الخط الفاصل بين كل من التشيع العربي والتشيع العابر للحدود الذي تقوده أطراف إقليمية. يجب على العالم العربي إعادة النظرة من جديد لهذا المكون وفهم صحيح للتشيع قبل اتخاذ مواقف مسبقة منه أو الخوف منه.
2- ضرورة انتباه النظام العربي إلى مسألة الأقليات في العراق بل والعالم العربي بأكمله كونه ليس مجرد أحد المكونات بل جزء من المنظومة الشاملة الوطنية؛ بحيث تكون الاستراتيجية العربية تجاه العراق عامل مكمل للهوية الوطنية في هذه البلدان وكون القومية لا يعني إقصاء الأخر أو حتى تغييب هويته.
3- أن أي محاولة لرأب الصدع في العراق وإعادة العراق لحضنه العربي تحتاج إلى استراتيجيات متبادلة من الجهتين العرب والعراق؛ وعدم انتظار مبادرة الأخر للعمل باتجاه الطرف الأخر؛ فعلى الرغم من مبادرات الجامعة العربية التي أثبتت التجربة أنها كانت المؤسسة الوحيدة التي استطاعت لملمة جميع الأطراف العراقية على اختلاف توجهاتهم وانتمائهم للجلوس والحديث للوصول إلى عقد اجتماعي بين الأطراف العراقية لتأسيس دولة جديدة تقوم على مبدأ المواطنة والكفاءة كما حدث بمؤتمر القاهرة في عام 2004؛ تبقى الجامعة المكان الأنسب إلى وضع العراق باتجاه محيطه وعمقه الاستراتيجي لكن ضمن رؤية تقتضي جلوس جميع الأطراف الفاعلة وعدم استثناء أحد ومن ضمنهم قوى المقاومة العراقية؛ فالأخيرة لاعب مهم يجب أخذ نظره في أي مشروع حقيقي للمصالحة عدا عن ذلك ستبقى كل المبادرات المتعلقة بهذا الأمر مجرد حبر على ورق.
4- الثابت الآن في ظل موازين القوى السائدة بالمنطقة انحسار دور العراق الإقليمي لصالح قوى غير عربية في ذات الوقت الذي انحسرت معه تلك القوى العربية المنافسة للعراق في الفترات الماضية مثل مصر والسعودية. وعليه يصبح أي اتفاق إقليمي لإعادة التوازن في المنطقة يقتضي التئام هذه الأطراف العربية لتثبيت واقع على الأرض ولن يكون للعرب أو العراق القدرة على فعل ذلك في غياب منظومة موحدة لوجودهم بحيث تفرض واقعاً على القوى الإقليمية (الأمريكية والإيرانية والتركية) بضرورة شملها في أي تسوية إقليمية أو ترتيب التوازنات بالمنطقة.
5- على الرغم من أهمية التشريعات التي أعقبت احتلال العراق والتي أنشئت منظومة سياسية في العراق إلا أن من الأهمية بمكان الاهتمام بان تكون هذه التشريعات جزء من الحفاظ على الأمن الداخلي والقومي للعراق والأقطار العربية لا اعتبارها جزء من منظومة غريبة ترى بالعراق والدول العربية جبهات في محاربة الإرهاب الدولي وعليه الانشغال بتنفيذ أجندات لا تقدم أو تؤخر في عملية التنمية والبناء لهذه الدول.
6- إن احد أهم الاستنتاجات التي تخلص لها هذه الدراسة في تعامل كل من المملكة العربية السعودية والأردن مع العراق ولغاية بناء علاقة قوية وذات فائدة في العراق هو اهتمام السعودية بضرورة احتواء المراجع الدينية في النجف والكف عن استعدائها عبر مد اليد باتجاهها، وبالنسبة للأردن فان حكومته تفتقد إلى أدوات الاتصال الجيدة مع الحاكمين الجدد في العراق وخصوصا مع المكون الشيعي في القيادة العراقية الجديدة الذي انقطعت العلاقة معه نظراً للتشويش الذي مارسته إيران قبل وبعد عام 2003 ما جعل الأردن يفتقد إلى العلاقة الجيدة معهم ويحاول مراراً الخروج من هذه المعضلة عبر استمرار الاتصال.



باحث ونائب المدير العام للمعهـد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

رائد فوزي احمود


2010-04-14

القائمة الرئيسية
دراسات وبحوث
الحوار الوطني العراقي
مقالات
مواقف وبيانات
ثقافة وفنون
البوم الموقع
عروض كتب
معطيات جغرافية
مدن عراقية
موجز تأريخ العرق
English articles
قصص واقعية في زمن الاحتلال
 
جميع حقوق النشر محفوظة باسم - دار بابل للدراسات والاعلام ©