|
حركات التحرر العراقية والمشروع الوطني العراقي
يرزح العالم العربي اليوم لصفحات الحرب الإعلامية الامريكية الغربية , الساعية الى تسويق الاستعمار كتحرر وتغيير, والهيمنة ونهب الثروات تحول ديمقراطي, وتكمن المعضلة في التصدي للحرب النفسية والإعلامية وباستخدام حرب الكلمات والمصطلحات المزدوجة التي تنحت بعناية في أروقة المخابرات الامريكية , وتستهلكها وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية بحرفية عالية , وكذلك في المحافل والندوات المأجورة لهيكلة عقول الرأي العام العربي والسعي الجاد لتغيير الفكر الحي واستبداله بالخواء الفكري والسذاجة والسطحية , ويعد ساذج من يعتقد أن الولايات المتحدة، وبالأخص الاتجاهات اليمينية المتطرفة في المؤسسة الحاكمة والمجمع الصناعي العسكري، ستتخلى بسهولة عن الأهداف التي رسمتها للحرب ضد العراق ومنطقة الشرق الأوسط، في إطار استراتيجيتها للأمن القومي على الصعيد العالمي!, وتمكنت الولايات المتحدة الأمريكية في 27/11/2008 من أنجاز احد المراحل الأساسية لاستعمار العراق عبر صفقة ومناقصة تجارية عسكرية سياسية استراتيجية مررتها البني التحتية السياسية والتشريعية التي أسسها الاحتلال (ورشها السياسية والبرلمانية في العراق) "اتفاقية صوفا" أو اتفاقية الإطار الاستراتيجي, فلا بد أن نستعرض الحقائق القانونية والشرعية والأبعاد الأخرى والقيم الواقعية الجديدة في الصراع الأمريكي العراقي ,فان المرحلة القادمة تتطلب توصيف دقيق لقيم الصراع وتمحيص دقيق في معطيات مسارح الصراع , وأصبح من الواضح أن امريكا زاوجت القوة الناعمة من خلال الضغط عبر المفاصل السياسية التي أرستها لتقوم بالمهام الحربية والسياسية التي تحقق السيطرة الثابتة المستقرة والتي تجنبها الاصطدام المباشر بسد الرفض الشعبي والمقاومة المسلحة والسياسية.
دوافع غزو واحتلال العراق
ذهبت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائهم وبدفع صهيوني متشدد إلى العدوان على العراق وفق مبررات ثبت زيفها وكذبها, روجها وجاهر بها اكبر ساسة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا , وسوقتها بتشدد وسائل إعلامهم وفق استراتيجيتهم الإعلامية ( خلق العدو الوهمي)-وكانت ابرز المبررات المزيفة للعدوان هي:- أسلحة الدمار الشامل-العلاقة بالقاعدة-شراء اليورانيوم من النيجر-أمكانية استخدام العراق أسلحة دمار شامل خلال45 دقيقة, العراق يمثل خطر عالمي- مما حجب عن الرأي العام الأمريكي الكثير من التساؤلات عن أسباب وجدوى الحرب ضد بلد لم ينتهك القوانين الدولية, ولم يصدر منه سلوك عسكري عدواني تجاه الدول المشتركة بالغزو, بل لا توجد حدود مشتركة متنازع عليها, ويعد هذا انتهاك فاضح للشرعية الدولية, وقرصنة على القانون الدولي "شريعة الغاب" من يمتلك القوة يفعل ما يشاء ويخطط ما يشاء , ويفرض قواعد اللعبة كما يشاء, ليتحول العالم من نظام منهجي ومؤسسي يسوده الأمن السلام, ودول ترعى مصالح شعوبها وفق إرادتها الحرة, وتحول النظام العالمي إلى حشد أعلامي سياسي يهيكل عقول الرأي العام ويسير خلف مزدوجي الارهاب والديمقراطية المبهمة التفسير والنطاق, مما عزز انتشار المنظمات الإرهابية وأحزاب مخابراتية تنشر الفوضى والعنف في كل مكان, وإذكاء صراعات طائفية وعرقية تمتد اذرعها في بقاع الأرض تمولها المافيا وشركات السلاح والنفط والمرتزقة, لتفتح لها الأسواق في الدول المستهدفة استراتيجيا, وانطلقت هذه الأيديولوجية وتطبيقاتها من بنات أفكار التيار اليمين المتشدد ليبشروا العالم بتصدير الدمار والخراب في كل مكان, والشواهد الحية خير دليل على منهجيتهم العقائدية( الفوضى الهدامة), ونشير إلى ما ذهب إليه لجنة "لاروش" حيث تبرهن أجندة "لجنة الخطر الداهم" وما أشار إليه " ليندون لاروش" المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الذي يرأس "لجنة لاروش" للعمل السياسي, ففي مذكرة إستراتيجية كتبها، يقول لاروش"إن هدفهم هو ليس إخضاع مناطق معينة سياسيا كمستعمرات بل إزالة جميع المعوقات التي تقف في طريق النهب الحر للكوكب (الأرض) ككل". إن نيتهم هي ليست فتح أراضي جديدة بل تحقيق إزالة كل بقايا السيادة القومية وتقليص عدد سكان العالم من البشر إلى أقل من مليار نسمة… فهدفهم في أفغانستان والعراق على سبيل المثال هو ليس السيطرة على هذين البلدين وثرواته فحسب، بل إزالة أمم قومية وأباده شعوبها الإسلامية عن طريق إطلاق قوى الفوضى والدمار. ونشير أيضا إلى ما نشرته مجلة "إكزكتف إنتلجنس ريفيو" تقريراً حول اجتماع عقد في واشنطن لمناقشة "الحرب العالمية الرابعة" حضره وتحدث فيه أبرز منظري المحافظين الجدد وأكثرهم نفوذاً داخل الإدارة الأمريكية وفي مراكز صنع السياسة في واشنطن’ و شارك فيه ثلاثة من كبار مسئولي إدارة بوش - وهم نائب وزير الدفاع السابق رامسفيلد "بول وولفويتز" واثنان من دعاة الحرب من المحافظين الجدد في مجلس سياسات الدفاع (Defense Policy Board) "جيمس وولزي", و"إليوت كوهين"، شاركوا جميعاً في الاجتماع الذي عقد برعاية إحدى أكثر الجماعات المسيحية المحافظة الجديدة تطرفاً، وهي "لجنة الخطر الداهم" (Committee on Present Danger) وهذه هي نفس المنظمة التي كانت ناشطة أثناء الحرب الباردة والتي طالبت بقصف كوريا الشمالية بالقنابل الذرية في عام 1949، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (Foundation for the Defense of Democracies). وكلا المنظمتان أعلنتا من قبل أن "الإسلام" هو العدو العالمي الجديد الذي يجب أن تتم هزيمته من خلال ما يسمونه الحرب "العالمية الرابعة" , والمسألة التي تم عرضها خلال هذا الاجتماع هي أن يتم القضاء على جميع "الدول الراعية للإرهاب وفق مفهوم المحافظين, وتفسير الإرهاب وفق المنظور السياسي الأمريكي" إما عن طريق الحروب أو الانقلابات أو تغيير الأنظمة، فإن الولايات المتحدة ستكون في حرب أبدية، وأهم عامل في هذه المرحلة "الإرادة لخوض القتال". وفي خطابات عديدة سابقة وصف كل من (جيمس وولزي) الذي شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية لفترة قصيرة و(أليوت كوهين) وصفا هذه الحرب بوصف "حرب المائة عام" ومن هنا نجد أن الدوافع الإستراتيجية لغزو العراق
مخطط استراتيجي لاستعمار العراق
ورثت الولايات المتحدة الأمريكية صهوة القوة بعد تفكك المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي, وانفراد الفكر الرأسمالي بالعالم,في محاولة توسيع رقع تواجده وإتمام هيمنته على العالم من منظور الهيمنة الكونية وتعتبر امريكا نفسها المركز فيه,خصوصا بعد أن اجتازت امريكا مراحل إستراتيجية التواجد في الخليج والعالم العربي, بعد أن تطورت القدرات العسكرية الأمريكية واجتازت أربع ثورات أساسية هي *مكننة الحرب وتوسيع قدرات نقل الذخائر وتطويرها*الهيمنة الكاملة على الميدان النووي ورسم أبعاد انتشاره*السيطرة على الفضاء * ثورة المعلومات,وبهذا التكامل للقدرة العسكرية الأمريكية انطلق رموز الإدارة الأمريكية السابقة( اليمين الراديكالي المتشدد) بشراهة لانتهاز الفراغ الدولي وتطبيق فلسفة "صموئيل هنغتون" صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي وتستهدف هذه الفلسفة الأمم القومية والإسلامية[1] , وقد سخرت القدرة العسكرية الأمريكية كأداة قتل مبرمج , وبمنظور ربحي يعزز أرصدة الشركات القابضة العملاقة المتعددة الجنسيات(شركات- النفط-السلاح- المرتزقة- تقنية المعلومات- السيارات- ..الخ) , واندماج عناصر وجماعات الضغط ضمن المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية الحاكمة, ليعطينا دلالة واضحة أن الحرب ضد العراق صفقة تجارية لرؤوس الأموال الأمريكية الحاكمة الجشعة, دون الآخذ بنظر الاعتبار أن المضاعفات الإستراتيجية لهذا الفعل وما تخلفه هذه الحروب من كوارث إنسانية وحجم الخسائر والضحايا التي تخلفها وانعكاساتها على النظام الرسمي الدولي وسيادة شريعة الغاب الامريكية, والتي جعلت من النظام الرسمي الدولي فاقدا مشروعيته وقدراته, خصوصا بعد انتهاك الشرعية الدولية بالعدوان على العراق وفق مبررات مظللة ومزيفة, وممارسة الانتقائية والمعايير المزدوجة في التعامل تجاه الأزمات والحروب التي تحدث في العالم العربي والإسلامي حصرا, ناهيك عن الاستنزاف الاقتصادي وتدمير البني التحتية للعراق التي كلفته أكثر من سبعة تريليون دولار وتطبيق سياسة إلحاقه بالقوة إلى ما يسمى "النظام الديمقراطية"ونستطيع أن نوجز الأهداف الإستراتيجية لغزو واحتلال العراق هي:-
1. الهيمنة على الثروات الإستراتيجية الطبيعية في العراق وأبرزها النفط والغاز (احتكار, تصنيع, نقل, تسعير , تسويق) إضافة إلى الموارد الزراعية والصناعية.
2. أكمال إستراتيجية التواجد العسكري الأمريكي في العراق والمنطقة [2], وإغلاق الوطن العربي عسكريا عبر شبكة القواعد والتسهيلات العسكرية , وجعل العراق إحدى القواعد اللوجستية ضمن دول التقاطع الاستراتيجي في اللوحة الإستراتيجية الأمريكية العليا باستخدام سياسة الوصول عبر قواعد لوجستية إلى الشرق الأقصى [3].
3. تطبيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" وإلغاء العالمين العربي والإسلامي واستبداله بتسمية الشرق الأوسط وتقسيم الوطن العربي من 22دولة الى56 دولة, وتعميم الخطيئة التي تلغي دور الوطن والأمة والنظام وتحل بدلا منها الطوائف والأحزاب والمكونات, ضمن نظرية الحرب الديموغرافية وباستخدام جرثومة الاحتراب الطائفي والعرقي.
4. الدعم الكامل للحليف الاستراتيجي الأوحد للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة (الكيان الصهيوني) , وذلك بإخراج القدرة الصلبة العربية , وعلى رأسها العراق من معادلة الصراع العربي الصهيوني, وبالتالي خروج العرب من معادلة التوازنات الدولية ومنح الكيان الصهيوني السيادة المطلقة والنفوذ الإقليمي في المنطقة.[4]
5. إلغاء هوية العراق العربية والإسلامية وتقسيم العراق إلى دويلات طائفية وعرقية[5] .
6. تغيير النظام السياسي والاقتصادي في العراق وفق المشروع الامريكي للغزو والحاقة إلى المركز في النظام الرأسمالي ونظام السوق العالمية بالقوة ويعبر عن المركز بالولايات المتحدة الأمريكية , وخصخصة الثروات والمؤسسات العراقية كافة , مع فتح أسواق مختلفة في العراق للشركات القابضة العملاقة-المتعددة الجنسيات, المال, النفط, السلاح, المعلومات, السيارات,الإعلام..الخ[6] دون الأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العليا للعراق ورصانة واستقرار وضعه الاقتصادي.
7. تدمير وتجريف قدرة العراق العسكرية التي تشكل احد عناصر القدرة العربية الشاملة(القدرة الصلبة) تمهيدا لملئ الفراغ الإقليمي من قبل إطراق المعادلة الإقليمية( إيران , تركيا- إسرائيل) ويفقد العرب بذلك عنصر التوازن العربي في المعادلة.
8. تدمير وتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي وتحويل الشعب العراق إلى طوائف وأعراق واثنيات متنازعة وفق عقيدة بوش التي قسمت العراقيين قبل الغزو إلى شيعة سنة أكراد وتركمان وكلدانيين وآشوريين..الخ وبذلك إلغاء الشعب العراقي.
9. تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات بمنحى طائفي وعرقي.
حركات التحرر العراقية
بالتأكيد لغرض توصيف كل حالة وتقدير موقف حقيقي يعتمد على القيم والمعطيات الحقيقة والواقعية للصراع الأمريكي العراقي, ولغرض أنصاف فرسان المقاومة العراقية الذين ضحوا بدمائهم ويبذلون الغالي والنفيس لنصرة العراق وشعبه وتحريره واستقلاله ,يعد من الضروري الانتقال من استراتيجية المقاومة إلى استراتيجية حركات التحرر , خصوصا بعد أن تمكن الاحتلال الامريكي المركب من ترسيخ زعانفه على الأرض ولو بنسبة نجاح25بالمائة وخصوصا بعد الانتخابات الأخيرة التي حرصت على استثمار الوجود الذكي وباستخدام القدرة المكتسبة التي أعدت لهذا الغرض لترصين الصفحة السياسية للاحتلال والسعي الجاد الدائم لتقسيم العراق, لذا يتطلب الانتقال إلى استراتيجية حركات التحرر, ونعتقد بات من الضروري أن نطلق على كافة فصائل المقاومة العراقية بحركات التحرر العراقية , مع ضرورة انتهاجها المنحى الواقعي الموضوعي لمرتكزات الصراع ويمكن استعراض بعض القيم الواقعية وهي:-
1. تتواءم مع التوصيف القانوني لفعل المقاومة الساعي لتحرير الأرض بعد رفض الاحتلال مغادرة أرضه والانسحاب منها وبضمانة دول كبرى.
2. نضوج سياسي وعسكري لفصائل المقاومة يصل من ناحية الأداء والإدارك السياسي والعسكري والإعلامي إلى مصاف حركات التحرر في العالم ويتطابق مع مثيلاتها في التاريخ وفي الدول التي احتلت.
3. صحة المخاوف والرؤيا السياسية والاستراتيجية للقوى والشخصيات المناهضة للاحتلال والمقاومة بعد أن حققت ورش الاحتلال "الهيكل السياسي المصنع" متطلبات بقاء الاحتلال ونظرا لتطابق الرؤى السياسية للمقاومة العراقية والقوى السياسية المناهضة للاحتلال يمكن توصيف تقاربهم بحركات التحرر والمناخ يشير إلى ذلك.
4. ما قدمته المقاومة العراقية من تضحيات وصمود ونصر استراتيجي ونجاح تكتيكي تدل بوصلتها على أنها تتجه إلى مصاف حركات التحرر العالمية ولها هدف سامي يستحق التضحية من اجله وهو تحرير العراق ومن الضروري اعتراف العالم بشرعيتها.
5. ساهمت المقاومة العراقية في تحقيق الثقة والآمان في المناطق المؤتية مما عزز من تلاحم الشعب العراقي معها والتأييد لبرنامجها والبرامج الوطنية المناهضة للاحتلال مما يتطلب دمج العمل المقاوم والسياسي والإعلامي ليكتمل التوصيف والشرعية لحركات التحرر العراقية أسوة بحركات التحرر العالمية والعربية وفق لتجارب الأمم والشعوب.
6. انتهاء النطاق الزمني لوصف الاحتلال بعد تحوله إلى استعمار وتواجد طويل الأمد, وبالتأكيد يقابله حركات تحرر وطنية تنتهج السبل المشروعة لتحقيق السيادة والاستقلال والتحرر الشامل للعراق.
7. يطلق القادة العسكريون الأمريكيون مصطلح "تشكيل البيئة الأمنية" هي لغة مؤدبة تعني عمليا السيطرة على الغير بقوة السلاح, و"المناطق الحرجة" سلوك للإشارة إلى البلدان التي ينبغي السيطرة عليها بالقوة, "الأسلحة النووية الأمريكية" يجري تسميتها أسلحة الدمار الشامل إذا امتلكها طرف أخر غير الولايات المتحدة وإسرائيل وتصف امتلاكه ( الرادع النووي الأمريكي), بينما وصفت الصواريخ العابرة للقارات بأنها(( خندق الدفاع عن الوطن الأمريكي)) "وشبكة انتشار الدرع الصاروخي عبر العالم(نظام الدفاع المضاد للصواريخ "Ballistic Missile Defense" (BMD , وبنفس الوقت تستخدم مصطلحات الجماعات المسلحة , الارهاب, المتمردين..الخ على حركات التحرر العراقية بغية منعها من امتلاك ناصية الشرعية الدولية.
8. البيئة المجافية للمشروع الوطني العراقي الذي يتطلب ملئ محاور الصراع السياسية والإعلامية والفكرية..الخ لإدامة أرادة الصراع نحو الاستقلال وإنهاء الاحتلال.
المشروع الوطني العراقي والبيئة المجافية
يقع العراق ضمن شبكة المصالح الدولية , ويقع ضمن بقعة جغرافية رخوة, وقد استهدفت دوما من قبل الدول الامبريالية, ذات المنحى الاستعماري التوسعي, وبالتالي وقع العراق كبش فداء لصفقات دولية وإقليمية, وقد عقدت في الأروقة الخلفية في وقت الاندفاعة الأمريكية الصلبة ,نحو تشكيل شرق أوسط جديد وهو احد مراحل مشروع القرن الأمريكي الجديد , والذي تبنته زمرة من المحافظين الجدد,وقد أفضت إلى غزو واحتلال العراق بحرب انتهكت الشرعية الدولية ويوصفها القانون الدولي "عدوان عسكري" أو إرهاب القوة واستخدام القوة اللاشرعي كما وصفته محكمة العدل الدولية عام 1988 والتي أدينت به امريكا في نيكاراغوا .
النظام الرسمي الدولي
يعتبر العراق دولة عضو ومؤسس في هيئة الأمم المتحدة و وكذلك في منظمات إقليمية و عضو فعال ومحوري في جامعة الدول العربية, وقد أصدر مجلس الأمن بحقه قرارات عقابية عند اجتياحه الكويت , ونفذت جميعها بالكامل,ويفترض أن الأمم المتحدة هي الميدان للفصل في الخلافات الدولية , وفق هيكليتها القانونية والتنظيمية, وهناك مجلس الأمن وهو جهاز دولي لردع العدوان, ويحضر ويجرم أي عدوان على دولة عضو, وكذلك تطبيق (القانون الدولي), إضافة إلى إجراءات الفصل السابع لدحر العدوان وإزالته على أي دولة عضو عبر , وجميع تلك العناصر الثلاث الدولية لم تطبق لمنع العدوان على العراق أو إنهاء الاحتلال فيه, ,وهنا يبرز وهن وتصدع النظام الرسمي الدولي , الذي يفترض أن يكون عامل استقرار للدول وخصوصا الضعيفة منها, بل فوجئ العالم وبسابقة خطيرة "صدور قرار(1483)الذي يشرع الاحتلال وبأثر رجعي,وكذلك عدد من القرارات اللاحقة, وهذا قد عقد الموقف بخصوص أزمة احتلال العراق, وفي سابقة قانونية لم تحصل قد أجاز استخدام القوة العسكرية ضد دولة عضو بلا مبرر شرعي أو تحرش عسكري أو عمل عدائي من العراق, ناهيك عن زيف وكذب مبررات الحرب التي عرفها العالم بأسره, وتعد قرار الوصاية انتهاك للشرعية الدولية, وتشريع احتلال لبلد عضو في الأمم المتحدة, وبذلك فقد العالم ثقته في أي تغيير دولي في ظل هيمنة كاملة للولايات المتحدة الأمريكية على مؤسسات الأمم المتحدة,مما جعل الحل العراقي نحو الاستقلال يقف أمام عقبات أبرزها غلق منفذ الأمم المتحدة والداعم لمواقف الولايات المتحدة التعسفية, ويفترض إن المسرح الأممي هو الحاضنة الحقيقية والميدان الرئيسي لحل المشاكل الدولية وتعمل وفق الآليات والسياقات الرسمية لإخراج الولايات المتحدة وقواتها من العراق وإنهاء الاحتلال فيه, خصوصا أن العراق كان يقيم علاقات إستراتيجية ومصالح مشتركة مع الأعضاء الثلاث في مجلس الأمن[7], وقد فقدت قضية العراق(أزمة احتلال العراق) أهم وأقوى مرتكزا دوليا ذو المنحى القانوني الذي يحقق الشرعية الدولية في إزالة العدوان وأضراره ودعم وتحقيق الاستقلال والسيادة للعراق وشعبه وتعويض الأضرار والخسائر الناجمة من العدوان.
الاتحاد الأوربي
يعتبر الاتحاد الأوربي القوة السياسية والعسكرية الثانية في العالم بالرغم من أنها الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة, ومحور جيوستراتيجي سياسيا وعسكري واسع في العالم,ويحقق بذلك التوازن والاستقرار لأوربا والعالم , وله مصالح مشتركة في العالم العربي والإسلامي, ,ولكنها تنظر إلى أزمة العراق من وجهة النظر الأمريكية حصرا, وهنا تبرز المصالح المشتركة والإسناد المتبادل فيما بينهما , وكما هو معروف أن المصالح هي التي تحدد القضايا,ويقف العراق أمام باب مغلق أخر مسيطر عليه بأحكام وبمنحى إيديولوجي سياسي متشدد, مما عقد حل الأزمة, وفقدت بذلك قضية العراق(أزمة احتلال العراق) مرتكزا دوليا أخر ذو المنحى القانوني الذي يحقق الشرعية الدولية في إزالة الاحتلال وأثاره , وإزالة النفوذ الإقليمي وأضراره , ودعم القوى الوطنية العراقية لتحقيق الاستقلال والسيادة لدولة عراقية عصرية.
الإطار القاري والإقليمي
يفترض أن العراق يرتكز على إطار قاري إقليمي يعزز التفاهم والتوافق وفق محددات التقارب والمصالح المشتركة المعمول بها, وفي الشرق هناك الجار المسلم "إيران" الذي شكل معضلة سياسية وأمنية باتساقه من حيث النتائج مع المشروع الأمريكي وإسناده المباشر للاحتلال الأمريكي للعراق[8],وعزز من نفوذه الذي تطور إلى أطماع معلنة كما نراه اليوم, وفي الشمال الجار المسلم تركيا العضو الفعال في "الناتو" والطامح للعضوية في الاتحاد الأوربي, ويعتبر محورا جيوسياسي ومركز ثقل ويرتبط مع العراق بمصالح مشتركة وعمق ثقافي وحضاري,وكان من الرافضين بشدة لغزو العراق وعدم استخدام أراضيه لشن العدوان ضد العراق, ويساهم الآن نسبيا في وحدة العراق من خلال رفضه الصارم الصلب لانفصال أكراد العراق,ولن يساهم جديا في إخراج العراق من أزمة الاحتلال, وهناك منظمة المؤتمر الإسلامي وكذلك دول العالم الثالث لم تحرك ساكن ولم يكن هناك أي دور يذكر لها, وهناك أيضا المحور الجيوقاري "روسيا والصين والهند" حيث لم يرتقيا الحلفاء القاريين للعراق طيلة العقود الماضية لموقف ايجابي تجاه العراق, وخصوصا قبل وأثناء وبعد غزو العراق.
النظام الرسمي العربي
يتمثل النظام الرسمي العربي بجامعة الدول العربية[9] وهي الإطار العربي الرسمي الجامع الذي يفترض أن يتخذ الإجراءات السياسية والعسكرية للتصدي وردع العدوان ضد أي بلد عربي يتعرض للعدوان, واتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة لتطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك , وقد ابتعد العرب كثيرا عن تحقيق أمنهم القومي بعد غزو العراق وتشظي العنف والإرهاب, في ظل سطوة وجشع الشركات وانتشار وباء الاحتراب الطائفي والعرقي..الخ , مما افقد العرب القدرة الإستراتيجية التي تجعل منهم لاعب جيوستراتيجي مؤثر في العالم, بل واكتفي كل بلد بأمنه الوطني الذي لا يصمد أمام متغيرات الصراع الدولي والتي تستهدف جديا العالم العربي , وكان النظام العربي يمتلك إمكانيات وعناصر تؤهله ليكون لاعب جيوستراتيجي دولي , ولكن غزو العراق وتحنيط القضية الفلسطينية والنزاعات في لبنان والسودان والصومال والبحرين واليمن..الخ, لقد ارتكبوا خطيئة إستراتيجية بترك العراق مسرح للأطماع الدولية والإقليمية, وفقدت قضية العراق(أزمة احتلال العراق) أهم وأقوى دعم وإسناد عربي ذو المنحى القانوني الذي يحقق الشرعية العربية والدولية في إزالة العدوان, ودعم القوى الوطنية لتحقيق الاستقلال والسيادة, وخصوصا غياب البصمة العربية عن المشهد السياسي العراقي طيلة تلك السنوات , وهناك مجلس التعاون الخليجي[10] الذي اغفل الخطيئة الإستراتيجية وأبعاد غزو العراق , وكان قد رفض دخول العراق إلى المجلس كدولة مطلة على الخليج , ولم يقدم الدعم الحقيقي لنصرة القضية العراقية وإعطائها الأسبقية الأولى, وتعويض الخطيئة الإستراتيجية التي ارتكبوها بتقديم العون والتسهيلات للغزو الأمريكي والقبول باحتلال العراق, وفقدت بذلك قضية العراق(أزمة احتلال العراق) أهم وأقوى مرتكزا قاريا وإقليميا وعربيا ذو المنحى القانوني الذي يحقق الشرعية الدولية في إزالة العدوان وتحقيق الاستقلال والسيادة, وشهد الشارع العربي خيبة الأمل في مؤتمر القمة العربي الذي عقد مؤخرا وهرم وتفتت النظام الرسمي العربي , وخصوصا فيما يخص القضية العراقية التي لم تحظى باي اهتمام بل طبعت الدول العربية احتلال العراق وشرعنة صفحته السياسية ,وكلك القضية الفلسطينية التي تعد في اخطر مراحلها وتتطلب دعم حركة التحرر والمقاومة الفلسطينية لتحرير أرضها وقيام دولتها, هذا هو الواقع العربي.
أصدرت الإدارة الأمريكية الحالية مؤخرا , أمرا بتغيير الاسم الرمزي لغزو العراق"عملية الحرية للعراق (OIF) " ضمن نطاق الحرب العالمية على الارهاب, وإطلاق اسم رمزي جديد للعمليات في العراق "الفجر الجديد" , وتشير وسائل الأعلام أنها جاءت حسب توصيات قدمها وزير الدفاع الامريكي"روبرت غيتس" وأن هذه التسمية دلالة على تغير النمط الحربي في العراق , خصوصا إذا علمنا أن الاسم الرمزي "عملية الحرية للعراق (OIF) " هي التسلسل الثالث في نطاق ما يسمى "الحرب العالمية على الارهاب ((GWOT " وهذا المصطلح الشامل الذي تستخدمه وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون) لوصف الحرب العالمية ضد الارهاب والتي طالت الدول العربية والإسلامية حصرا, لأنها تتسق مع مفاهيم دينية راديكالية متشددة روجها المحافظين المتشددين مطلع القرن الأول من الألفية الثالثة , وقد شملت هذه الحرب "عملية الحرية الدائمة غزو افغانستان (OEF)", و"عملية الحرية للعراق(OIF) غزو العراق", و"عملية النسر النبيل(ONE)" لتعزيز امن وسلامة القواعد العسكرية الامريكية , ويبدوا ان هناك ازدواجية بين المصطلح والتنفيذ, إذا ما قورنت باستخدام القوة اللاشرعي من قبل امريكا(إرهاب القوة) , وهو خارج أطار الشرعية الدولية مع الحرب ضد الارهاب ومفهوم الحرية, لقد استهلك هذا المصطلح وكشفت أبعاده ودوافعه ,وخلف شواهد دموية وفوضى سياسية شاخصة للعيان في العراق بالرغم من التعتيم الإعلامي الغربي والعربي لها, وقد أشار أليها احد تقارير هيئة مسائلة الحكومة الأمريكية GAO عندما قال" أن الحرب العالمية على الارهاب خلقت نظام من القرون الوسطى في العراق"[11],لقد دمرت هذه الحرب البنية التحتية للعراق من كافة الجوانب واستبدلتها بحشد بشري غير متجانس قاد العراق إلى الهاوية السحيقة, بعد أن كان في مصاف الدول المتقدمة الصاعدة إلى العالم الثاني, إن الولايات المتحدة الأمريكية تحقق أطماعها في العراق "لآن الوطن الأمريكي يمتد خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية هكذا تقول إستراتيجيتهم العسكرية وبمسافة وحدود جغرافية شاسعة لا حدود لها" , وفقا لهذا التوصيف الإستراتيجي فهم يدافعون عن أمريكا عن طريق توفير قاعدة آمنه لبسط القوة الأمريكية حول العالم, وهذه مصطلحات الخطاب المزدوج الأمريكي والتي ضللت الرأي العام الأمريكي والعالم لغزو العراق, ويتجه العالم إلى دموية وفوضوية أكثر نظرا لإنهاك القوات المسلحة الأمريكية في العراق وأفغانستان وترهلها الجيوعسكري وانهيارها الاقتصادي, بعد أن اتخذت الإدارة الحالية مصطلح ( الحرب على الإرهاب مصطلح فضفاض ووصفة قابلة للتطبيق على أي فعل أو رد فعل ) ذريعة ومرتكزا استراتيجيا عسكريا وسياسيا ومحورا حر لاستهداف جميع أهدافها, وجعلت من الإسلام والعرب هدف لهذه الاستراتيجية , وأدوات الصراع (أوطانهم ودولهم وشعوبهم وخيراتهم وبناهم التحتية),لذا فان حركات التحرر العراقية بكافة أطيافها وتوجهاتها اعتمدت المبدأ الاستراتيجي للحركات التحرر في العالم واختزلت الكثير من المراحل في البداية متقدمة بنجاح عسكري باهر, وتوصف بحركات التحرر نظرا للبيئة والمناخ المحليين ونضوجها السياسي والعسكري, والتحديات المعقدة التي يمر بها العراق, ويبقى مشروعها الوطني هو الأصلح لإنقاذ العراق من براثن الاستعمار الناعم والتقسيم الوشيك والنفوذ المرفوض .
-------------------------------------------------------------------------------
[1] . أجندة "لجنة الخطر الداهم" ــ حسب مراقبين ــ ما أشار إليه (ليندون لاروش) المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الذي يرأس "لجنة لاروش" للعمل السياسي. ففي مذكرة إستراتيجية كتبها، يقول لاروش"إن هدفهم هو ليس إخضاع مناطق معينة سياسيا كمستعمرات، بل إزالة جميع المعوقات التي تقف في طريق النهب الحر للكوكب (الأرض) ككل". إن نيتهم هي ليست فتح أراضي جديدة، بل تحقيق إزالة كل بقايا السيادة القومية وتقليص عدد سكان العالم من البشر إلى أقل من مليار نسمة؟؟
[2] . انظر الملحق (أ) شبكة القواعد والتسهيلات العسكرية الأمريكية– إستراتيجية التواجد.
[3] . يشير تقرير (إعادة بناء السياسة الدفاعية الأمريكية, الإستراتيجيات والقوات والمصادر للقرن الجديد), نشر عام2000 ضرورة السيطرة على المساحات الدولية المشتركة في الفضاء ومنها فضاء الاتصالات وتمهد الطريق لخلق وحدات عسكرية جديدة/القوات الفضائية الأمريكية التي ستتكون مهمتها السيطرة على الفضاء وان سلاح الفرسان الأمريكي يجب إن يصبح جيش احتلال دائم في الشرق الأوسط كما أوصى التقرير بتأسيس قواعد عسكرية أمريكية دائمة في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم ويجب إن يكون جنودنا هناك بحيث يمكننا السيطرة على نفطهم.
[4] . تحت عنوان "كسر نظيف" تم صياغة وثيقة في العام 1996، على يد مجموعة من مفكري المحافظين الجدد، تضمنت مشروعاً استعمارياً واسعاً للشرق الأوسط ، وقد هيئت من قبل فريق من الخبراء جمعهم ريتشارد بيرل ثم أعطيت لبنيامين نتنياهو, وباختصار فإنها تمثل أفكار وأطروحات الصهيوني فلاديمير جابوتينسكي، إذ دعت الوثيقة إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو للسلام، والقضاء على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وضم الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الإطاحة بصدام حسين, وزعزعة استقرار سوريا ولبنان في سلسلة من الأحداث. وتفكيك العراق وإقامة دولة فلسطينية على أراضيه. واستخدام إسرائيل كقاعدة تكميلية لبرنامج حرب النجوم الأمريكي
[5] . عام 2000خطة أمريكية إسرائيلية تم وضع تفاصيلها وتسربت إلى الإتحاد الأوربي تهدف إلى تغيير الخارطة السياسية والحدودية في منطقة الشرق الوسط وإزالة دولة العراق من الكيان العربي, وكان الدستور العراقي الحالي قد حقق هذا المطلب عندما أشار إلى أن الشعب العربي في العراق جزء من محيطه العربي ويبلغ الشعب العربي في العراق 90% في سابقة تشير إلى نية التقسيم.
[6] . استنزف العراق سبعة تريليون دولار عن تدمير ونهب مؤسسات الدولة العراقية وتدمير البني التحتانية كافة, واستنزف ما يقارب 700 مليار دولار على أعادة تشكيل المؤسسات وفق المفهوم الامريكي والتي جعلت من العراق الدولة الأولى بالفساد في العالم, وبلد منكوب ويفتقد إلى ابسط الخدمات الأساسية.
[7] .روسيا,الصين,فرنسا.
[8] .الدور الجيواستراتيجي الإيراني ذو العلاقة المحيرة بالمتناقضات "أمريكا وروسيا والصين" يجعلها خارج أطار المصالح العربية والإقليمية وذلك لطموحها لعب دور جيواستراتيجي عالمي على حساب المصالح العربية والإقليمية وكما صرح عدد من مسئوليها خصوص بعد أخراج العرب كلاعب جيواستراتيجي من المعادلة الدولية.
[9] ,جامعة الدول العربية تشكل الواجهة الرسمية للنظام الرسمي العربي السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.
[10] .تشكيل سياسي عسكري إقليمي يخص الدول العربية المطلة على الخليج العربي.
[11] . GAO report: Only 3 of 18 Iraq benchmarks fully achieved, Listed below are links to weblogs that reference GAO report: Only 3 of 18 Iraq benchmarks fully achieved:
مركز صقر للدراسات الاستراتيجية 2010-04-01
|