ندوة :
الصالون الثقافي
(أثر نجيب محفوظ في الرواية العربية)
14/9/2006

عقد المنتدى الثقافي العراقي في دمشق في الرابع عشر من أيلول من العام الحالي 2006 صالونا ثقافيا كان موضوعه (أثر نجيب محفوظ في الرواية العربية)... شارك فيه عدد من الأدباء والصحفيين العراقيين والسوريين, وتطرقت المداخلات إلى أهمية هذا الأديب الكبير وتأثيره على القصة والرواية العربية بانجازه أكثر من (35) عملا روائيا و( 23 ) مجموعة قصصية, وتكريما لهذا الأديب الذي نال جائزة نوبل للآداب كأول عربي. كان هذا الصالون الثقافي.
تفيد أبو الخير / صحفي سوري:
يعتبر المجتمع المصري من أكثر التجمعات ارتباطا بالتاريخ القديم على غرار ايطاليا واليونان وبعض مناطق الصين,وقد حافظ المصريون على علاقة حيوية في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع كافة مراحل التاريخ المصري بدون استثناء, وهنا نجد خصوصية وادي النيل الشمالي بخصائصه الفكرية: ويمكننا أن نعزو ذلك إلى التأثير الواضح والمستمر لكل حقبة مرت بها مصر, منذ الفراعنة الذين رسخوا آثارهم وأوابدهم وبشرتهم وتكويناتهم البيولوجية في المجتمع المصري, والمرحلة اليونانية التي خلدتها أشهر الملوك البطالمة ( نسبة إلى بطليموس ) أي كليوباترة, ثم المرحلة الرومانية التي شهدت وصول المسيحية إلى مصر بجهود القديس مرقس, ولكن العهد المملوكي كان له أثرا اجتماعيا وشعبيا تجاوز الآثار الاجتماعية للمراحل السابقة, من خلال تشكيل مزيج متماسك على مدى عدة قرون, وكان المصريون على أبواب مرحلة جديدة أفتحتها الأيوبيون والاستفادة من الإرث الفاطمي الغني الذي ما زالت معالمه حاضرة في القاهرة.
لم تكن مذبحة القلعة التي صنعها محمد علي باشا على مأدبة زعماء المماليك كافية لحذف النصر المملوكي من التكوين الاجتماعي, إلا أن الحملة الفرنسية بين عامي 1798 – 1801, ساهمت في فتح نوافذ جديدة للاتصال بالمجتمعات الأخرى, مع أن هذا التواصل لم يكن إيجابيا في كثير من التجارب, وإن كان ضروريا في معظم الأحيان لبناء حضرة معاصرة.
اعتاد المجتمع المصري أن يكون خاضعا لقيادة غير مصرية, عبر تاريخه وأول مصري يحكم مصر بعد الفراعنة هو اللواء محمد نجيب, أحد قادة ثورة 23 تموز, وكانت مصر في النصف الأول من القرن العشرين تمر بمجموعة من التطورات المتناقضة ولكن بشكل متميز.
أولها: تشكيل دولة عصرية من حيث البنية الإدارية بالرغم من الفساد المََلَكيّة وانشغالها بالترف والبعد عن سواد الشعب الأعظم, وظهور شخصيات سياسية واقتصادية هامة مثل مصطفى كامل الذي أطلق شعار( مصر أولا ) وسعد زغلول زعيم الحركة السياسية المناضلة من أجل الاستقلال, وطلعت حرب مؤسس الاقتصاد المصري المعاصر.
ثانيا: ظهور طبقة واسعة وغنية من الأدباء والمفكرين والشعراء والموسيقيين بالرغم من ارتفاع نسب الفقر والأمية والجهل والتقاليد غير الإنسانية, وابتدأت حركة التطور الأدبي والفكري والفني منذ أواسط القرن التاسع عشر في فترة حكم الخديوي إسماعيل أي اعتبارا من رفاعة الطهطاوي وعلي ماهر, ثم الشاعر محمود سامي البارودي الذي كان وزيرا للدفاع في الفترة التي ظهر فيها المناضل أحمد عرابي, وانتعشت الحركة الثقافية في العهد الملكي الأخير بظهور أعلام كبار مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وتوفيق الحكيم والمنفلوطي وحفني ناصف وقاسم أمين. حيث نشطت حركة الترجمة بالاتجاهين وتكثفت البعثات العلمية إلى الخارج وانتشرت المدارس الوطنية والأجنبية, وارتفعت أسماء الموسيقيين مثل محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية, وانتشرت الصحف التي رصدت بإتقان كل تلك الموجة الثقافية وأسمائها الشهيرة.
رصد نجيب محفوظ هذه الحقب التي اختمرت في ذهنه متصلة بكل مفردات التاريخ المصري كافة, وعاش اختلاجاتها وساهم في اعتلاجاتها وقيم أسلوب قادة الرأي في جميع المواقف الاجتماعية وتناول الاتجاهات السياسية كلها بجهد وحرفية عالية, ومن ذلك فأننا نستطيع دراسة المجتمع المصري منذ أخناتون ( امنوحتب الرابع ), وأحمس الذي طرد الهكسوس ( ملوك الرعاة ) مرورا باليونان والرومان والفتوحات الإسلامية والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والألبان, وصولا إلى عبد الناصر والسادات, إن لم يكن بشكل مباشر مثل قصة ( مصر القديمة ) و( عبث الأقدار ) أو بتفاصيل ضمن سياق النص مثل ( الشحاذ ) و ( ميرامار) وأمعن في وصف الاتجاهات السياسية لشخصيات مثل الاشتراكيين والليبراليين والأخوان المسلمين والتجار والبرلمانيين والشيوعيين والصحفيين والمرتزقة والملكيين والعسكريين والديمقراطيين, ولكن كان يتحاشى الخوض في مسألة الانتماء لمصر أم المصريين, بل كان يقدمها بمثابة حل نهائي ناجح في جميع أعماله لكي لا تظهر كصبغة عامة إنما كان يولّفها بحبكة فنية وإقناع غير مباشر, وهو في حقيقة الأمر مقتنع بشعار ( مصر للمصريين ) و ( مصر أولا ) مع أن مصطفى كامل صاحب هذه الأقوال كان تركيا.
في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي اقتحم محفوظ المجتمع المصري بشكل حاد ومباشر وانتشرت بعض الكلمات في الروايات انتشارا هائلا مثل ( الحارة, النبوت, شيخ الحارة, الفتوة, الجوزة, الشبشب, الملاية اللف, السلامْلِك, المعلم, الجزار, الحانوتي, البدروم ).... ونثر أسماء الشوارع والحارات والمساجد والزوايا والتكيات وشيوخها على قصصه نثرا كثيفا, وإذا قرأت الثلاثية ( بين القصرين) و ( قصر الشوق ) و ( السكرية ) التي منح عليها نوبل 1989, مضيفا إليها ( خان الخليلي) و ( الحرافيش ) و ( زقاق المدق ) فإنك تستطع تخيل خارطة مدينة القاهرة بأحيائها القديمة, وهنا يظهر الاختلاف الواضح بين محفوظ ومعظم الروائيين العرب الذين يهربون من المكان خوفاً من سطوة السلطان والزمان على غرار عبد الرحمن منيف وأحلام مستغانمي, ولكن السبب الأكثر تفسيرا هو نقص الطاقة الروائية في حقيقة الأمر, والاقتباس الفني من النماذج الغربية وفي مثال مواز نجد ديستويفسكي الذي كتب المقامر والأخوة كرامازوف, وصف مدينة بطرسبرغ في تفصيل أول مائتي صفحة من روايته ( الجريمة والعقاب ).
إلا أن حنا مينة أفشل المكان في الثلث لأخير من روايته (المرصد), بينما أتقن جغرافيته في القصص القصيرة مثل ( الرجل الذي أبطل القنبلة) وفي الخوض بتأثير محفوظ على بنية الفكر العربي المعاصر يجب ملاحظة الخصائص المميزة لأدبه الذي يشير إلى الاستنتاجات الآتية:
1- أدب نجيب محفوظ هو أدبي شمولي, استوعب التاريخ المصري من كل الاتجاهات والمواقف, متبنى معاناة الشارع المصري حصرياً.
2- طوق المجتمع المصري عبر التاريخ ودرس جميع تطوراته.
3- انطلق من المواطن أو الكائن المحلي الذي امتلك البطولة الدائمة.
4- رصد العقل المصري بشكل حصري وعالج طموحاته وثقافته.
5- عني بالهم الوطني والهم الاجتماعي المدني أكثر من عنايته بالهم القومي.
يمكن القول أن محفوظ يستطيع وصف عوامة على النيل تحمل مجموعة من السهارى بنحو ثمان صفحات. في حين قد يتطرق بسطرين إلى قضية اغتصاب فلسطين, ولذلك فإن القضية القومية العربية في أعماله هي كمثل جزء من مرحلة تاريخية وكان ينقم على القادة ويقف إلى جانب الطبقات الدنيا من المجتمع, ويعتبر أن انحدار الحضارة العربية سبب فساد قادة الرأي وأصحاب السلطة, ومحاولتهم امتطاء الشعب في خضم تحريره من الاستغلال, ولذلك كان يحترم شهداء المظاهرات ويسخر من الخطباء في البرلمان, كذلك لم يكشف في أعمله الروائية أو المسرحية انتماءه لأي تيار سياسي بل كان يظهر على أنه على مسافة واحدة من جميع الأحزاب, وأخذ عليه عدم مناصرة ثورة يوليو, بل كتب في رواية الشحاذ عن المتسلقين الذي عبثوا بانجازات الثورة وركبوا موجتها, وأخذ عليه أيضا عدم تعليقه أو رفضه لمعاهدتي سيناء في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
تجلى الفكر الفعلي للتيار الفكري الليبرالي الذي مثله محفوظ من خلال السينما والتلفزيون اللذين وجدا في أعماله ثروة من النصوص والقصص, أشهرها ( الثلاثية- اللص والكلاب - الحرافيش – قشتمر – ميرامار – ثرثرة فوق النيل – السمان والخريف) وكذلك أشهر مجموعاته القصصية (همس الجنون) ,( خان الخليلي ), واشتغل أشهر فناني مصر بأعماله مثل فريد شوقي, رشدي أباظة, محمد مرسي, محمود المليجي, وكانوا يزورون و يستمعون إلى توجيهاته في شرح سمات الشخصية, ولا يمكن الحديث عن تأثير محفوظ في الفكر العربي إلا من خلال السينما وانحصر هذا الأثر في تسويق اللهجة المصرية, ونموذج المجتمع المصري وتقاليده وأمثاله الشعبية؟ وأفراحه وعاداته ومعتقداته الاجتماعية, في حين ساهمت أعماله بتقوية التيار التطويري الذي صنعه في الأجيال المصرية ووصل التناقض إلى حد محاولة اغتياله بسبب روايته ( أبناء حارتنا ), ويمكن فهم محفوظ بأنه جاهد لينقل مجمل الخبرة الفكرية وعصارة العقل المصري إلى موازاة العقل الأوربي في حرية النقد والتعبير, ووضع مسألة الحضارة المصرية كواجهة و سارية لسفينة تطور مصر اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا, وكان ركنا هاما في بناء التفوق المصري الأدبي على بقية الدول العربية وممارسة هذه الفوقية من أنصار تياره عبر اختيار وتقديم (الانتماء المصري ) على أي انتماء آخر, وفي نهاية القول فإن نجيب محفوظ هو مصري بالروح والفكر والإدارة والانتماء, وعربي باللغة والإقليم, وعالمي بالحضارة والطموح.
محمد ونان / ناقد عراقي:
هذه الورقة تحوي قراءةً استذكارية لا نقدية, قد يأتي النقد المتأني على محتواها ويُفنَّد ما فيها لأنها بنيت بناءً انطباعياً متلكئا على مبدأ الاستذكار للمنجز الروائي الكبير المرحوم ( نجيب محفوظ ) وكذلك للمنجز القصصي العراقي لمرحلة بعد الريادة, لذا اعتذر لكم عن كل سقطة فيها قد لا تنسجم مع رؤاكم أو مع قناعات توصلتم إليها عبر سيرٍ لكلا المنجزين, ولا يختلف اثنان منّا أن نجيب محفوظ شكّل مدرسةً لأجيال عربية عّدة, ومنها أجيال الروائيين العراقيين الذين قرأوا النتاج, لمحفوظ وتأثروا به على الدّال وقد غاص المدلول في الموضوعات الآتية:
1. نقل هموم الإنسان البسيط في الحارة المصرية وتصوير ما هو تافه إلى جانب ما هو عظيم.
2. نقد الزعامات والسلطات ولاسيما ثورة يوليو.
3. عرض انتكاسات الحروب ومآسيها على الواقع الاجتماعي.
4. تصوير مستويات التعليم على اختلاف مستوياتها على الرغم من تركيزه على نهاياته أقصد الجامعات.
5. طرح أسئلة كونية كبرى تتعلق بالخلق والخالق.
6. البحث عن مكان مفقود, مكان آمن يلجأ إليه الإنسان كي يهرب من ذاته أو من مجتمعه.
7. مناقشة بناء أماكن في اليوتوبيا في المثالية .
8. عرض مآسي الظلم من خلال أيقونته المعروفة السجن.
9. كان نتاجه نتاج حضارتين فرعونية وإسلامية بناءاً على كلمته حين منح جائزة نوبل.
10. السخرية اللاذعة.
11. شيوع التفاؤل في أغلب نتاجه.
في قراءتنا للقاص العراقي لم نجد أثراً واضحاً لنجيب محفوظ, بل وجدنا أثراً غربياً بيّناً فيه فعلى سبيل المثال سيجد الناقد أوفيليا وهاملت, وجوليت وروميو, وديزدمونة وعطيل, وسيجد أثر للفلسفة ولا سفسطات الوجود الأربعة في موضوعاتها, سيجد أثراً للرواية الروسية والمذاهب الأدبية الغربية, سيجد أثراً لكافكا ولاسيما في ثيمة( المسخ).
الروائي العراقي ابن الإنسانية لم يحصر نفسه في حضارتين فقد حاول أن يتلاقح مع جميع الحضارات العراقية وغير العراقية, وظهرت عند الروائي العراقي العروبة التي اختفت عند نجيب محفوظ, لكننا قد نجد تشابهاً ( أنا لا أسميه تأثراً ) بين بعض نتاجات الحكي العراقي والحكي الفرعوني المحفوظي على سبيل المثال لا الحصر:
• نجد البحث عن المكان المفقود عن أحمد خلف في ( خريف البلدة ).
• نجد البناء التأسسي اليوتوبيا عند محمد خضير في ( بصرياثا ).
• الحارة – الزقاق عند علي بدر في ( بابا سارتر ).
• تجد السجن عند يوسف الصائغ.
• الحرية واشكاليتها عند عبد الخالق الركابي وعادل عبد الجبار.
• السيرة عند عمر الطالب في ( أحداق مجروحة ).
• الجامعة عند عمر الطالب في ( إنسان الزمن الحديد ).
• السخرية اللاذعة عند فهد الأسدي في ( معمرة علي ).
• الأسطورة والخرافات عند محمود جنداري في ( مصاطب الآلهة ).
مما تقدم يتضح لنا أن الموضوعات التي طرحها محفوظ متوافرة في الحكي العراقي بنسبة ما, لكنها لم تصل إلى مستوى التأثر الواضح, لأن ظروف نتاج محفوظ تختلف حتى عن ظروف نتاج الحكي العراقي, فهناك أمور حول النص الروائي ساعدت على شهرة نتاج محفوظ منها:
1. الظرف السياسي الذي عاشه محفوظ يختلف عن الظرف السياسي للروائي العراقي الذي عاش ( مراحل غلق الأفواه ), لذا كانت روايات محفوظ أكثر صراحة من الرواية العراقية التي لجأت إلى الضبابية والعتمة المعلوماتية هرباً من سوط السلطة أو سوط التابو.
2. النتاج السينمائي كان له فضل كبير على تسليط الضوء على نتاج محفوظ, وكذلك النتاج التلفزيوني الدرامي.
3. نفسية الذات المصرية تختلف عن نفسية الذات العراقية بطبيعة الحال فهو كان أكثر تفاؤلا, أقصد محفوظ أما الأديب العراقي فكان متشحاً بالتشاؤم والحزن, وأن من أهم الفروقات بين الحكي العراقي وحكي نجيب محفوظ اعتماد الأول على مبدأ الشعرية التجريب والتغريب والفنتازيا في الحدث وارتداء القناع, هذه التقنيات السردية الخالقة للدهشة واللجوء إلى مدة عجائبية اخترعها كي يعيش فيها, وكل ذلك كما قلنا خوفا من الفتك السياسي الذي يعد سمة أساسية في تاريخ المجتمع العراقي, ودليلنا على ذلك الكم الهائل من مبدعي العراق الذين ماتوا نفياً وقهرا خارج بلادهم.
ملاحظة:
معلوم أن فن الرواية من الفنون السردية غير المجذرة عربيا على الرغم من أن بعض مؤرخي الأدب العربي ينسبونها إلى فن المقامة والسيرة والقصص الشعبي المحكي, لكن حقيقة الأمر أن الرواية فن وصل إلينا بحكم التأثر وازدياد الترجمة, فكانت أول رواية عربية فنية اقتربت من التكامل الفني هي رواية زينب 1914 لهيكل والتي من المؤكد قد اطلّع عليها محفوظ واستفاد منها.
أخيرا نقول أن أصعب الدراسات هي الدراسات التي تسعى لضبط التلاقح في أدب واحد ولغة واحدة, وما قدمناه نعدّه مقترحا لدراسة هذا المبدأ على عموم النتاج الأدبي العربي لعلتا نسهم في أغنائه.
مظهر عارف:
ما طرحه الزملاء خلال هذه المناقشات عن التشابه بين نجيب محفوظ والعراقيين هو أن الاثنين هم أصحاب حضارة تمتد لآلاف السنين كما أن الوضع الاجتماعي بين البلدين متشابهين ولو أن الإقطاع كان في العراق أقسى من الوضع الإقطاع في مصر....
كتب محفوظ عن البرجوازية الصغيرة. ولم تكن روايته تشمل أراء سياسية تغير الواقع المصري لم يثور على الوضع الاجتماعي. أنه كاتب كبير لكن يؤاخذ عليه موقفه من ( إسرائيل ) وحسب اعتقادي أنه نال جائزة نوبل لكونه حمل ذلك الموقف, ووصفه بساتين ( عناقيد الغضب) سقط في حبائل المخابرات الأمريكية وشتم الثورة الفيتنامية.. القصد كم أثر نجيب محفوظ من خلال نتاجه الأدبي بالمجتمع وهل عبر عن وجهة نظره؟
عامر العمري – فنان:

أن الكثير من الأعمال الروائية لنجيب محفوظ كانت إصرار الشباب في الاطلاع على الأفكار القومية ومع ذلك لم يكتب محفوظ كما الكثير من الأدباء في العراق منهم غائب طعمة فرمان وزنكنة, لكن روايات نجيب محفوظ عمقتها السينما المصرية وعرفت أعماله لجيل الشباب وأنه أي نجيب محفوظ ليس الأحسن بين الأدباء العرب لكي يحصل على جائزة نوبل فقد كان مثلا أحسان عبد القدوس أجرأ في تناوله الحياة المصرية وعُرفت على المستويين العربي والعالمي....... ولكن نجيب محفوظ استطاع تسويق نفسه بشكل أدق وحتى عملية اغتياله حسب رأيي الشخصي هي عملية مفبركة للوصول إلى الأوسكار.
سعدون داود:
نجيب محفوظ عبد العزيز هو اسمه الكامل ألتقيته في القاهرة في مقهى ( ريش ) وسألته هل اطلعت على نتاج الأدب العراقي ؟ فكان جوابه كلا كان محفوظ يخاف السجن, وتوقف عن الكتابة لمدة سبعة سنوات من عام 1952 - 1957 بعد روايته ( أولاد حارتنا) تأثر بطروحات سلامة موسى...... كان نجيب محفوظ ينتهج سياسة ( مع وضد ) ولم يكن لديه موقفا سياسيا واضحا من قضايا بلده بشكل واضح.
غازي لعيبي:
أن نجيب محفوظ ابتعد عما ما هو قومي وحصر نفسه في مصريته ولم يهتم بقضايا أمته العربية وكان غائبا عما يجري من تلك الأوضاع المصرية إلى أن أصبح مع ( إسرائيل ) وكان السبب في حصوله على جائزة نوبل.
عبد الكريم العبيدي – صحفي عراقي
يقول ديفيد كوزنز هوي في كتابه الأثير "النص والسياق" (إن المبدع لا يتعامل مع الأشياء بوصفها مسلمات. وانه لا يبدأ من أي شيء وضعي. وان الطبيعة والفن, كما تعلمهما وكما يراهما, لا يتحدثان قبل أن تكون هناك لغة خاصة بهما).
هل يصلح هذا الاقتباس أن يكون مقدمة للحديث عن أدب نجيب محفوظ؟ لا أدري. ولكن من منظوري الشخصي وبقدر قراءتي لأدب الراحل ,أرى أنه من الصعب على متلق عاد أن يفهم الكيفية التي تمكنت بها لغة نجيب محفوظ القصصية والروائية من إحالتنا من اليومي والعادي والتقليدي إلى فرضية التأويل عبر توطيد أحكام جمالية مغايرة والى إثارة أسئلة ذات طابع تطبيقي تتصل أجوبتها بمناقشة مطولة حول أهمية تعريف الفن القصصي أو الروائي في ضوء التفريق والتمييز بين مصطلحات ومفاهيم أهمها الواقعية واللاواقعية, المحاكاة والتعبير العينية والتجريد.
منذ عمله الروائي الأول(عبث الاقدار1939) تمكث شخصيات نجيب محفوظ في إطار واقع مجتمعي معاش موقعاه الجغرافي مصر وهي بذلك تشارك في الحدث بكل تفاصيله حتى وان بدت أحيانا ملتزمة الصمت _ متقوقعة على الذات _ استعلائية وتشارك في مرحلة من مراحل السرد بحذر. لكنها ما تلبث أن تكون في مرحلة أخرى أكثر ديناميكية بحيث تصبح عنيفة مهيمنة, مستلبة تدافع عن نفسها بقوة,مستسلمة إلى ما لا نهاية, انتهازية, قسرية مثل إبطاله في (اللص والكلاب رواية 1961, أولاد حارتنا رواية 1959, ثرثرة فوق النيل رواية 1966 والقاهرة الجديدة رواية 1946) إبطاله ينظرون إلى الواقع ويشاركون فيه حتى لتقبل لدى القارئ فكرة تداخل الرمزي بالواقعي لدرجة القياس. كما حدث مع بطل القاهرة الجديدة ,الماركسي الانتهازي الذي يتحول في لحظة إلى كل شيء والى أي شيء كأي سمسار وهو المبدئي,المناضل,الحبيب.
لقد أعطى نجيب محفوظ هنا شخصياته سمة الواقعية بأبعادها الاجتماعية والسياسية ليثور في مرحلة مهمة من مراحل تطور البنية الاجتماعية المصرية في القرن العشرين. لكنه أضفى على تلك الواقعية بعدا جديدا السياسي, المثقف, الماخور, البغي.... كلها علامات تؤسس لهيكلية البينية القصصية في أدب محفوظ, وهي علاقات اجتماعية بامتياز.حيث ترى البغي, المطعية التي تتمنى التوبة وترغب في الاستقرار والزواج كما في الثلاثية على سبيل المثال لا الحصر. فيها ترى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة, وفيها ترى السادية والمازوشية, وفيها ترى درجة الانفصام في السلوك الاجتماعي بين البيت – بيت العائلة, ولحظات الأنس والفرفشة (سي السيد كنموذج) إنهم أبطال واقعيون في مجتمع يعاني فيه الأفراد حرمانا مريعا في مجتمع قمعي لا يترك للشباب من الجنسين أي خيار ذلك الواقع. لسنا هتا في وارد التحليل الكلي. لكن لغة نجيب محفوظ القصصية, أثرت حتى في مجايليه ومن تلاه من الأدباء لدرجة أن لغتة الأدبية تتوسط الاختلاف في الزمان والمكان. وهذا ليس عيباً على الإطلاق. فلنرى كان حسنة من حسنات الصدفة التي تؤسس لمعيارية كون اللغة عاملاً رئيسياً من عوامل الاتصال بين تراث الأمة الواحدة التراث الذي يربط بين الحاضر والماضي والإشكال الاجتماعية, وهو ما نلحظه عند أدباء عراقيين كبار مارسوا الكتابة القصصية والروائية على حد سواء مثل غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي على وجه التحديد.
سيقول البعض بمغامرة ( المحايثة ) بين نجيب محفوظ. أسلوبا ونصاً وتأويلاً وبين الكبيرين التكرلي وفرمان. لكنها مغامرة الروية النقدية وشكل القراءة المغايرة بين متلق ولآخر.
يرى توماس بيكيت أن ( الجنس البشري لا يحتمل الواقع كثيراً.... لكنه من البراءة على قدر يكفي لأن يجعله يتوق للواقع, متذمراً فقط من أن وسائل بلوغه لم تكن وافية ولا يمكن الوثوق بها.).. في القرن التاسع عشر كانت سيادة المضمون على الأسلوب هي الغالبة وقد تراجع هذا الفهم تدريجياً لصالح الشكل الذي صار يضفي قيمتاً جمالية وتعبيرية أكبر على النص. أما الآن فصار الفهم الشكل هو تعبير عن فردا نية العمل بينما المضمون عن جمعيته مع أشياء أخرى. ولما كان الأقسام بين الشكل والمضمون هو انقسام اشتقاقي كما يرى جاكوب كورك في ( اللغة في الأدب الحديث ), فإن ( والقول لازال للكاتب ) العمل الفني الهام يحقق الأثر المباشر ليس بواسطة المحاكاة الحية بل من خلال الخواص الشكلية التي ينبغي التقاطها بذكاء.
من يستطيع من قراء الأدب العراقي المكتوب خمسينيا وستينيا وأدب نجيب محفوظ يمكن أن يلتقط صورة كل أبطال الروية (خمسة أصوات)للكبير غائب طعم فرمان وأبطال (النخلة والجيران) المرتجى والمؤجل المركب (تماضر, الشخص الرابع, ثابت وعصام ورائد ) وبين أبطال فؤاد التكرلي في ( الوجه الآخر ) وروايته (الرجع البعيد ) وقصصه الأخرى ليجعل منه جردة نقدية بسيطة مدخلا لتماثلات اسلوبية رؤيوية واستنصار ورصد لماهية الواقع, وان اختلفت بين الكتاب الثلاثة لنضجة أو هوية التي تقرن النص بصاحبها .... ففؤاد التكرلي يتميز إلى تأثير قيم مجتمعية عاشها وعايشها, ثم يحاول إعادة تفاصيل دقيقة للواقع الاجتماعي, تحسسه تناقضات مجتمعه المثقل بقيود لا حصر لها, فهو يلجأ إلى الواقع لا بهدف تصويره كما هو, بل إلى إعادة رسم ملامح. ذلك الواقع أي إلى إعادة تركيبه وفق منطق يريده هو, فهو يحاور ويناور ما أمكن من خلال انتقائه ( كادر الواقع أو غريمه كما يسمى في اللغة التصويرية ) الحدث والشخوص المكتنزة بهنات داخلية مليئة بالتشوهات وبنزعات تبدو غريبة إلى البعض و لا معقولة ناجمة عن علاقات غير مألوفة لمنها غير مستحيلة كما تبدو في سياق السرد, وذلك لأن الإنسان الواقعي هو بطلها فجميع أعماله أو تكاد تبدو فيها الاشتعالات وسعيرها هي السمة التي تجمع بين أبطال فؤاد التكرلي و هي تتشابه مع أبطال محفوظ في درجة حرص القاص في اللعب على الأسلوب ( اللغة والتقنية ) وهي لعبة يرتبط بها الكاتبان إلى حد التماهي والانصهار في بوتقة المتخيل مع الواقعي ....... وبين وجود أكثر من صوت يفلسف فيها الكاتبان معاييرهما الأخلاقية وتقليص الفرق بينهما لصالح النص. هذا التقليص يظهر من خلال التنازع الصارخ الحاد الواضح بين الحقيقة والصدق من جهة ( المعنى الأخلاقي ) والمتخيل من جهة أخرى فالقص أو الرواية هو بالدرجة الأولى نتاج المتخيل بينما الإطار العام له نتاج الصدفة ( المنبع هو الواقع). في هذا الإطار لا بد من تدعيم هذا الاستنتاج برأي الناقد د.عبد الله أبو هيف ( يمكن للمرء أن يكون صادقا ولا يكذب دون أن يقول الحقيقة كلها. وإذا شئنا الاقتران من الحقيقة أكبر قدر ممكن فلا ينبغي أن نحرفها أو نخفيها......) * أزمة الذات في الرواية العربية د. عبد الله أبو هيف.
هنا يلتقي التكرلي ومحفوظ ( انظر القنديل المنطفئ 1954, التنور 1972, الازهار 1984, ثرثرة فوق النيل 1966) وفي مجموعة من العوامل منها وحدة البعد الدرامي, المقدرة على إدارة الصراع.فالإنسان عندهم رغم اختلاف النوع تراه محاولا, رافضا, متمردا لا يخضع بسهولة إلى مصير مقدر, رغم قناعته في الكثير من الصور بقرب النهاية المنطقية للأشياء لذا ترى الكاتبان يلجآن إلى المحاكاة وتبادل الأدوار معها (أي الشخصيات) وذلك لقناعتها المسبقة باستحالة الإجابة المقنعة عن التساؤلات الحياة.
أما غائب طعمه فرمان فإنك تشاهد تناثر وقع صداه في إحياء بغداد القديمة وشوارعها ( انظر عالم نجيب محفوظ أيضا وقارن) خاصة تلك الممتدة بين شارع الملك غازي وشارع الرشيد, حيث محلات الفضل والحيدر خان, كهوة شكر, عكد الطنطل, عكد النصارى, أبو سيفين, أبو دودو.......... ومشاهد القهوجي والقهوة و العربنجي و البايسكلجي وشقاوة الحي ومجرى المياه الآسن و الأفندي, وصور لا تنقطع من الحلقات السياسية في المساجد حيث تنطلق التظاهرات وتتردد الشعارات.
إذن إن التأثير الذي مارسه محفوظ والتقطه فرمان كان حدوده الموازنة الدقيقة بين شكل البناء القصصي أو الروائي وبين مضمونه, وقدرته على التقاط شخوصه من قلب الواقع الاجتماعي كما أن الاثنان يرسمان لا محدودية حركة الشخصيات في فسحة المكان الروائي المحدود, ومع ذلك كان الكاتبان يتركان شخوصهما الروائية تتحرك بحرية ضمن ما هو طبيعي وافتراضي و وفق قوانين التحكم الموضوعي, ولنؤسس على ما تقدم ولترى إلى أي مدى ذهب تأثير محفوظ على فرمان. فالأخير كما الأول كان يعود في الدلالة الفلسفية سوى في شكل الزمان الشخصي أو الزمن الروائي أو لتقل قدرة تلك الدلالة على التمييز بين التكوين الفردي للشخصية وعلاقتها بالزمن الشخصي وبين التكوين الجمعي ( البيئة الاجتماعية ) وعلاقتها بالزمن الموضوعي. فالزمن الشخصي هو نتاج كلي للمصادفة. أما الزمن الموضوعي فهو نتاج كلي للواقع. وللتدليل على ما نقول, فان شخصية الباسيكلجي وابن الحولة في ( النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان. لا يمكن أ، يكون سياقهما واحداً. لأن الصدفة وحدها هي التي فلسفة مصائرهما بافتراض التطور المنفرد لكل من الشخصيين. لكن على المستوى الجمعي فان تطور وعي الأول إطلاقا من حسه الطبقي ومن إدراكه لأهمية العمل من أجل التغيير, ومن ثم ضرورة المواجهة أو التصدي في أطار اللعبة التي تمارس في أطار الزمان والمكان وهي لعبة تتجاوز من يمارسها, فالصراع عام وشامل ومفضي لسيرورة الاحتكاك والمواجهة بين السيد والمسود مما يعني حتمية إزاحة أحد الطرفين. ( انظر الثلاثية وأولاد حارتنا عند محفوظ ). ( وقارن بين شخصية الرابع في خمسة أصوات وبطل ثرثرة فوق النيل ).
ختاما والحديث يطول. فإن نجيب محفوظ هذا المبدع الكبير بفنه قد ترك أثراً لن يمحى في الفن القصة والرواية العربية استلهمت من عبقريته في السر فنون أخرى أعمالاً كبيرة كالسينما والفن التشكيلي والتلفزيون ووصل تأثيره من المحيط إلى الخليج وتعداه إلى العالمية وأن شكك البعض بدوافع تلك العالمية. لكنه سيبقى علماً خفاقا ما حيينا.