قد يبدو عجز وفشل القوى والأحزاب والجماعات السياسية العراقية في تشكيل الحكومة الخامسة، بكل ما رافق هذا الفشل من تجاذب ومناورات وتحالفات، أبعد بكثير من حدود كونه مسألة استعصاء في تحقيق توافق وطني بين الفرقاء.
وعلى العكس من ذلك، يبدو هذا الفشل عنواناً لفشل أكبر وأخطر، يتعلق بمسألة تحويل تشكيل الحكومة إلى مسألة «وطنية»، أي تحويلها إلى قرار وطني صلب لا يسمح فيه بأي نوع من التدخل الدولي والإقليمي.
إن فشل السياسيين في أي بلد -حتى وإن كان مستقلاً وحرّا ولا احتلال فيه من أي نوع- في تحويل مسألة تشكيل الحكومة إلى مسألة وطنية، وحرمان القوى الإقليمية والدولية من التدخل المباشر في أوضاع البلد، هو تجسيد فعلي وواقعي للمأزق السياسي، فما بالكم ببلد يرزح تحت الاحتلال العسكري منذ سبع سنوات، وتتصارع فيه النخب السياسية علناً، بينما يصبح تدخل القوى الإقليمية والدولية مطلباً من المطالب؟
لقد أصبحت الدعوة إلى تدخل «دولي» في حل مسألة استعصاء تشكيل الحكومة العراقية تقليداً من تقاليد الطبقة السياسية. وهذا هو الفشل الحقيقي.
إن واحدة من أكبر أوهام السياسيين العراقيين اليوم، تكمن في أنهم لا يريدون رؤية الحقائق على الأرض، ويفضلون عليها «تمنياتهم» وتصوراتهم، وهكذا يصبح مطلب التدخل الدولي، بصورة أو بأخرى، تعبيراً من تعبيرات تراخي الروح الوطنية ودليلاً على وجود مأزق أكبر وأخطر من مسألة الفشل في تشكيل حكومة.
وعندما يصبح أمر تشكيل الحكومة، أي حكومة وفي أي بلد، موضوعاً للتفاوض غير العلني وغير المباشر بين الفرقاء الدوليين والإقليميين، فهذا يعني بكل تأكيد أن الوظيفة الحقيقية للسياسة هي تمرير الصفقات الخارجية، وليس إنتاج حل وطني. وبالفعل، فقد بات واضحاً أن الطبقة السياسية في العراق تدير «الأزمة» لصالح قوى إقليمية ودولية متصارعة، ولو كان الأمر خلاف ذلك، لما رأينا جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، وهو يعود مرة أخرى إلى بغداد للنقاش حول سبل تشكيل الحكومة. لقد استقبل السياسيون العراقيون زيارة بايدن بالتهليل، فقد جاء «المخلّص الأميركي» بنفسه إلى أرض بابل القديمة ليعيد للعراقيين الصفاء والوئام السياسي المفقود، وكنا رأينا بُعيد الإعلان عن النتائج الأولية لانتخابات مارس الماضي كيف أن قادة الطبقة السياسية، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية جلال الطالباني، راحوا يتقاطرون على طهران للتباحث بشأن تشكيل الحكومة؟ ماذا يعني ذلك؟
يعني ذلك ببساطة ما يلي:
أولاً: أن الطبقة السياسية قامت بتسليم مفاتيح الحل طواعية ودون أدنى شروط إلى قوى إقليمية ودولية لتقوم بالنيابة عنها بوضع شروط التوافق السياسي في العراق. لكن هذا التوافق، وبالظروف التي ينتج فيها، لن يكون سوى إعادة إنتاج لتوافق سابق.
وهذا يعني من بين ما يعنيه أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة توافق دولي- إقليمي وليست نتاج توافق وطني داخلي، وهذا هو المأزق الخطير الذي أنتجته المناورات والسياسات الراهنة.
ثانياً: أن المأزق الراهن يتجلى في عجز الطبقة السياسية عن إنتاج توافق وطني جديد، أي فشلها في إيجاد مقاربة سياسية تتيح لكل العراقيين، دون استثناء، الاشتراك الفعلي في صناعة خيارات البلد التاريخية وليس مواصلة «احتكار السياسة»، ولذلك سوف تسعى الطبقة السياسية في سياق تطور هذا المأزق، وبكل الوسائل إلى الحصول على «توافق طائفي» جديد بديل، لتعيد تقديمه إلى المجتمع العراقي بوصفه توافقاً وطنياً، وفي هذا النطاق من التلاعب بالحقائق سوف يكون على العراقيين انتظار حل وهمي لن يتحقق، ما دام التوافق الوطني بات موضوع مساومات ومناورات دولية- إقليمية.
ثالثاً: عندما تفشل الطبقة السياسية في التوافق على «الحصص القديمة» وتسعى إلى تغييرها من خلال تفاهم على «حصص جديدة» بطلب معونة وتدخل الخارج (الدولي - الإقليمي) المباشر، فإنها في هذه الحالة تكون قد رسمت مسار فشل جديد، لأن القوى الإقليمية- الدولية سوف تتجه إلى وضع أسس لتفاهم جديد فيما بينها وبعيداً عن أوهام وتصورات الطبقة السياسية. وهذا حقيقي، فواشنطن التي تستعد للانسحاب ستكون مهتمة بالتفاهم مع الإيرانيين أكثر من اهتمامها بمصير هذا السياسي أو ذاك الحزب.
رابعاً: إن مأزق الطبقة السياسية يكمن هنا، أنها عاجزة عن إنتاج «محاصّة جديدة» وعاجزة في الآن ذاته عن العودة إلى «المحاصّة القديمة». لقد تجلت أكبر أوهام السياسيين العراقيين في هذا الجانب من مسألة تشكيل الحكومة، وذلك حين راهنوا على إمكانية تعديل «نظام تقاسم المغانم» والحصول، كل من جانبه ووفق حساباته، على امتيازات جديدة، بينما بدا هذا النظام كما لو أنه غير قابل للتعديل. وبالفعل، فإن التفاهم الدولي- الإقليمي على العراق يقوم -من بين ما يقوم عليه- على نوع من التوافق الصارم، سيجري بمقتضاه باستمرار وإلى أجل بعيد الحفاظ على التقاسم الطائفي القديم، ومنع أي محاولة للمسّ بأسسه.
خامساً: وفي هذه الحالة، سيكون على الطبقة السياسية التكيف مع شروط هذا التفاهم ودعمه، ومن غير المنطقي تخيل وجود أية قوة سياسية في العراق قادرة على زحزحة التفاهم الأميركي- الإيراني مليمتراً واحداً. إذاً، فكل تقارب محتمل بين الكتل السياسية سيكون نتاج تفاهم دولي- إقليمي لا أكثر ولا أقل.