يكشف السفير السابق في بغداد أن بعض ملامح "سر" المخطط الأميركي "الناعم" للمكوث الطويل في العراق. وفي ما يشبه خطوطاً أولية لمذكراته في العراق، يميط رايان كروكر اللثام عن "خفايا بعض دفاتره الدبلوماسية". ويقول: إن العراق يقع في قلب الشرق الأوسط وارتباطه الاستراتيجي بالغرب وأميركا، يعدل الحسابات السياسية في المنطقة ولدينا مخططنا لجعل ذلك حقيقة. ويرى الأنظمة العراقية المتعاقبة منذ ثورة 1958 عرفت نفسها أنها معارضة للغرب ولأميركا والعراق –على سبيل المثال- قاد الأوبك في تأميم قطاع النفط. ويؤكد أن "اتفاقية وضع القوات" و"اتفاقية الإطار الستراتيجي" هما "خريطة طريق" للمستقبل الأميركي الجديد في منطقة الشرق الأوسط وما بعدها. إن رايان كروكر يكشف بـ"التلميح الصارخ" أن جناحي البقاء الأميركي الطويل في العراق "طلب الحكومة الجديدة" و"اتفاقية الإطار الاستراتيجي"!.
ويقول البروفيسور رايان كروكر، السفير الأميركي السابق في بغداد، وحالياً عميد، والأستاذ التنفيذي في كلية جورج بوش للخدمة العامة والحكومية بجامعة تكساس A&M في خطوط أولية لمذكراته في العراق تحت (أحلام بابل) في ناشيونال إنتريست أونلاين: منذ انتخابات 7 آذار الوطنية في العراق، ونحن نراقب "الدراما عالية الإيقاع" و"الكوميديا الساذجة" لعملية تشكيل الحكومة؛ ثمة مرشحون جرى إقصاؤهم، والاحتيال المزعوم، وإعادة حساب الأصوات، ثم تصديق نتائج الانتخابات، وتشكيل التحالفات، وأزمة اختلافات الرأي التي وصلت الى طريق مسدود.
وتابع كروكر: عندما تنتهي كل هذه الأزمات الى تشكيل حكومة جديدة، فسوف تواجه "أجندة ضخمة" من القضايا العالقة، مثل: التوترات الكردية-العربية، الحدود الداخلية المتنازع عليها، الفساد، تحديات الدول المجاورة، التطوير المؤسساتي، الاحتكاك بين الحكومات المحلية، والإقليمية، والفيدرالية، وقائمة القضايا العالقة ربما لا نهاية لها. والحقيقة هي أنه وبعد سبع سنوات من الشروع بـ"عملية حرية العراق"، فإن البلد مازال في البداية ذاتها لهذا الفصل من تاريخ طويل.
ويضيف: كنت في العراق بوظيفتي من سنة 1978 حتى 1980. كنت هناك عندما اعدم صدام مؤسس حزب الدعوة (الحزب الذي ينتمي إليه المالكي) محمد باقر الصدر. كان جيراني يخشون التحدث معي.
ويواصل روايته لتفاصيل تلك الفترة قائلاً: لقد عدّت الى بغداد في سنة 1998، كممثل للولايات المتحدة في الفريق الخاص لـ"اليونيسكوم" لتفتيش أماكن صدام بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل. وكنت الدبلوماسي الأميركي الأول من سنة 1999. لقد التقيت عبد حمود التكريتي، السكرتير الشخصي لصدام، وهو أحد الرجال الأكثر رعباً في النظام. وقد أظهر بهجته في أن يريني قصري صهري رئيسه اللذين هربا الى الأردن سنة 1995، وقد قتلا بقسوة بعد عودتهما. لقد عرفت أنني كنت في حضور الرجل الذي رتّب جرائم القتل تلك، وآخرين لا يعدون ولا يحصون. ورأيت الخوف الطبيعي على وجوه أي عراقي أصادفه. وعدت الى العراق في حزيران من سنة 2003، عندما ألقي القبض على صدام. كانت لحظة لها أهميتها.
ويتابع: السنتان اللتان أمضيتهما في العراق، سفيراً من 2007 ولغاية 2009 شهدت بعض التطورات، حلقة متصاعدة تتبعها حلقة لولبية لسنة 2006 عندما حدث تفجير شباط للقباب الذهبية لضريح سامراء، أحد المواقع الدينية الشيعية المهمة، وكان ذلك التفجير سبباً في تصعيد العنف الطائفي الذي دفع البلد الى حافة الحرب الأهلية. ثم "الطريق الجديدة نحو الأمام" التي اختارها الرئيس جورج بوش والتي عرفت باسم "السورج" أي القوات الإضافية التي أرسلها الى العراق، والتي كانت السبب في تغيير ديناميكي. والسنة في الأنبار، كانوا واثقين من دعمنا لهم في الانقلاب ضد القاعدة. وبينما كانت اليقظة تتنتقل الى بغداد، بدأ الشيعة العراقيون يلاحظون أن السنة يقاتلون عدواً مشتركاً. وإذ أصبحت ميليشيات شيعية مثل "جيش المهدي" أقل ضرورية للأمن، أصبحوا أقل شعبية، وفي وائل سنة 2008، استطاع أن يأمر قواته لمواجهة هذه الميليشيات في البصرة، وفي مدينة الصدر ببغداد، بدعم كامل من السكان. والسنة العراقيون بالمقابل نظروا الى سلوك المالكي على أنه "وطني" أكثر منه "زعيماً طائفياً"، والتحقوا بحكومته في ذلك الصيف.
ويقول السفير السابق إن الأشهر الأصعب في حياته جاءت في مطلع النصف الأول من سنة 2007، حيث تصاعدت إصابات الجنود الأميركان مع عدم وجود أية ضمانة أن الستراتيجية التي اتبتعها قوات "السورج" الإضافية سوف تنجح. ولكنها نجحت، ومواطنو كلا البلدين مدينون بشكل كبير الى أولئك الذين قاتلوا لحماية السكان العراقيين، وكان جيداً في ذلك الوقت رؤية المالكي يضع باقة من الورود الصيف الماضي في المقبرة الوطنية (أرلنكتون) للاعتراف بـ"تضحيات الجنود الأميركان". لكن "قوات السورج" لم تكن المفردة الوحيدة في الاستراتيجية التي ساعد في تحقيق الهدوء. كنا نشتغل على جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية. وانا وزملائي، أمضينا ساعات لا حصر لها مع الشخصيات السياسية العراقية في انحاء البلد، نعمل من أجل أن نصل الى تسويات، أو نقترح البدائل، حتى أننا نحضر مسودات لتلك التسويات. لقد كنا في الغرف الخلفية، وعلى أرضية واحد مع العراقيين في البرلمان خلال اللحظات التاريخية الرئيسة.
ويستمر السفير في رواية تفاصيل الخطوط الأولية لمذكراته: ولبعض الوقت سيأتي، سنبقى شريكاً لا يُستغنى عنه. وكان الشيء البارز اتفاقاتنا الثنائية على انسحاب القوات الأميركية، وكيف سيبدو البلد لمرحلة ما بعد الحرب، كالتصويت الذي صادف "عيد الشكر المسيحي" في سنة 2008، كان هناك دعم لكل الفئات السياسية ماعدا الصدريين. وحتى الصدريون الآن يعترفون بشكل علني أن نجاح "قوات السورج" والتدخل الأميركي في تثبيت استقرار العراق. إنه لأمر حيوي أن يستمر هذا التدخل. العراق ليس حرب الأمس. والصبر الاستراتيجي شحيح جداً في هذا البلد. وهي ليست مشكلة جديدة بالنسبة لنا، وهي ليست محددة في نطاق العراقيين وحدهم. وعمري في الخدمة الأجنبية من لبنان في أوائل الثمانينات وحتى عملي في العراق يطول الى 25 سنة كان من نواح عديدة خدمة طويلة في زمن الحرب. وتواريخ مثل 18-4 و23-10 لتفجيرات السفارة الأميركية، وثكنات المارينز في بيروت سنة 1983 كانت تبرق في ذاكرتي بشكل جيد قبل 11-9. إنها حال معقدة، منطقة مضطربة بخبرة طويلة في التعامل مع خصوم غالباً ليسوا منظمين في حرب كنا نعتقد بشكل روتيني أننا ربحناها. لكن الدرس الثاني هو أننا نحتاج أن نكون أكثر عناية بشأن ما الذي نهدف الى الخروج به. عدم التدخل يمكن أن يخرج بنتائج أفضل من التدخل. وانسحابنا من لبنان سنة 1984 كان فوزاً لسوريا، ولإيران اللتين خلقتا واستخدمتا "حزب الله" ضدنا، بعواقب مدمرة. لقد رسموا استنتاجات بشأن سلطتنا الباقية، وعندما نزلت من المروحية في بغداد في ليلة دافئة خلال شهر آذار من سنة 2007، كسفير أميركي جديد، كان عندي شعور مخيف أنني راجع الى لبنان قبل ربع قرن من الزمن. وإيران وسوريا، كان لهما ثانية جهود مشتركة ضدنا،
لكن الحقيقة –يقول كروكر- أن "قوات السورج" فندت توقعاتهم، إذا خطونا الى الأمام بدل التراجع، ولكنهم تقريباً نجحوا. وعندما شهدنا قائد القوات الأميركية حينئذ الجنرال ديفيد بيتريوس، وأنا أمام الكونغرس في أيلول 2007، كانت قوات "السورج" قد بدأت تحقق نتائج مختلفة. لكن الأميركان –والكثيرون في الكونغرس- كانوا متعبين من الحرب. وكانت "الثيمة الرئيسة" في شهادتنا أمام الكونغرس أننا نحتاج الى نفكر في أن كلف "عدم تدخلنا" في العراق يمكن أن تكون أكبر بكثير من كلف "تدخلنا". القاعدة لها قاعدة على أرض الأنبار وهي تخطط من هناك لعمليات تنفذها في كامل المنطقة وما بعدها. وإيران وسوريا ستحققان فوزاً كبيراً على الولايات المتحدة، يعيد ترتيب كامل المنطقة وبعواقب خطيرة على أمن حلفائنا، بالإضافة الى ما نملكه هناك. نواصل دفع ثمن خسارتنا في لبنان قبل حوالي ربع قرن. وكلف الهزيمة في العراق، يمكن أن تكون أعلى بشكل متصاعد.
والآن –يقول السفير- نحن نحتاج لتقوية إنجازات بغداد. وإذا كان حقيقة أن الفشل في العراق، ستكون له نتائج بعيدة المدى على مصالحنا في المنطقة، وما بعدها، فإنه لمن الحقيقي أيضاً أن ظهور بلد مستقر، ومزدهر، وفيه تعددية سياسية، يمكن أن يكون له تأثير إيجابي أبعد بكثير من حدوده. ومنذ ثورة 1958 التي أسقطت الملكية، فإن الأنظمة العراقية المتعاقبة كانت تعرف نفسها دائما أنها معارضة للغرب عموماً وللولايات المتحدة على وجه الخصوص. وعلى سبيل المثال، فإن العراق قاد الأوبك في تأميم قطاع النفط. وللمرة الأولى خلال خمسين سنة، نشهد عراقاً يريد علاقات وثيقة وروابط اقتصادية واستراتيجية مع الغرب. ونوري المالكي، والزعماء العراقيين الآخرين قاموا بعدة زيارات الى واشنطن والعواصم الأوروبية. وفوراً بعد الحملة ضد جيش المهدي سنة 2008، ذهب المالكي الى بروكسل لعقد اجتماعات مع ممثلين عن أوروبا والناتو. والمؤشرات للغرب وطهران ودمشق كانت واضحة. الشركات النفطية العالمية الكبيرة، بضمنها الأميركية، تساعد الآن في تطوير المصادر البترولية في البلد. والعراق يقع في قلب الشرق الأوسط، وارتباطه الاستراتيجي بالغرب يمكن أن يعدل الحسابات السياسية في المنطقة. ونحن الآن لدينا مخططنا لجعل ذلك حقيقة. وفي مناخ ما بعد "قوات السورج" بالاستقرار النسبي مع نهاية سنة 2008، كنا قادرين على التفاوض الثنائي لعقد اتفاقية تاريخية، أي "اتفاقية وضع القوات" و"اتفاقية الإطار الستراتيجي"، اللتين جرى تسليمهما بشكل ناعم من إدارة بوش الى إدارة أوباما. إن هاتين الاتفاقيتين هما "خريطة طريق" للمستقبل. ربما –وبشكل حتمي- تركز انتباه الرأي العام العالمي على الاتفاقية الأولى، والتي تتعلق بسحب القوات الأميركية من العراق مع نهاية سنة 2011. وتلك الاتفاقية أنهت الادعاءات في العراق بشكل فعال أن الأميركان يبحثون عن احتلال دائم، كما تدور نقاشات بهذا الخصوص حتى الآن في العراق. وعلى الرغم من أننا لم نعد منغمسين في عمليات عسكرية، فإن الحقيقة هي أن جيشنا على الأرض طمأنينة مهمة بالنسبة للعراقيين. وقرار إدارة أوباما لتخفيض حجم القوات الى خمسين ألف مع نهاية شهر آب المقبل، سوف يتطلب عملية إدارة حساسة ومعتنية بأن العراقيين لن يصبحوا أقل ميلاً للمساومة، وهم يواجهون القرارات الصعبة التي تنتظرهم في مراحل لاحقة على الطريق. وإذا توصلت الحكومة الجديدة في بغداد الى قرار إمكانية حضورنا الى ما بعد 2011، آمل أن نصغي الى ذلك بشكل جيد.